فهرس الكتاب

الصفحة 591 من 1453

* * * فلم يتكاءدني لاستماع المواعظ، واختبار الواعظ أن أقاصي اللّاغط،

وأحتمل الضّاغط. فأصحبت إصحاب المطواعة، وانخرطت في سلك الجماعة حتّى أفضينا إلى تاد جمع الأمير والمأمور، وحشد النّبية والمغمور، وفي وسط هالته، ووسط أهلّته، شيح قد تقوّس واقعنسس، وتقلنس وتطلّس وهو يصدع بوعظ يشفي الصّدور، ويلين الصّخور فسمعته يقول، وقد افتتنت به العقول.

* * * قوله: يتكاءدني، أي يشقّ علي أقاصي: أباعد. اللاغط: الصائح بكلام لا يفهم، والضاغط: الذي إذا زاحمك ضغطك لحائط أو غيره حتى ينقطع نفسك، يريد أنه لم يمنعه ما أصابه من السبّ والصياح به والضغط واللكز من مزاحمة الناس حتى قرب من الواعظ.

ويبين هذا قوله في الخمسين: «ولم أزل أتنقل في المراكز، وأغضى لّلاكز والواكز» أصحبت: انقدت. المطواعة: المنقادين المطاوعين. والانخراط: دخول الإنسان في الأمر بغير علم. وتقدّم السلك.

أفضينا: وصلنا، وأراد أنّ هذا المجلس جمع العامة والأمير، ومن له ذكر رفيع وشهرة. ومن هو مجهول مخمول. وأراد بالهالة حلقة الناس، وبالأهلّة أشراف الناس والعلماء. وحرّك السين من «وسط» ، مع الهالة لأنها دارة وساحة العرب تقول: فلان جلس وسط الدار واحتجم وسط الرأس بالتحريك، وسكّن مع الأهلة لأنه أراد معنى بين، والعرب تقول: جلس وسط القوم، فحملوه على بين، لمّا حلّ محلّها وكان في معناها، ولا يجوز جلس بين الدار، فلهذا لا يقال جلس وسطها بالتسكين.

تقوّس: انحنى. اقعنسس: تقبّض واحدودب. والقعس: دخول الظهر وخروج الصدر، والحدب ضدّه وبيّنه الراجز بقوله [الرجز]

* أقعس يمشي مشية التقاعس *.

تقلنس: لبس القلنسوة. تطلس: لبس الطيلسان وهو كساء أخضر يلبسه الخواص.

يصدع: يشقّ.

* * * ابن آدم، ما أغراك بما يغرّك، وأضراك بما يضرّك، وألهجك بما يطغيك، وأبهجك بمن يطريك. تعني بما يعنّيك، وتهمل ما يعنيك، وتنزع في قوس تعدّيك، وترتدي الحرص الّذي يرديك لا بالكفاف تقتنع، ولا من الحرام تمتنع، ولا للعظات تستمع، ولا بالوعيد ترتدع. دأبك أن تتقلّب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، وهمّك أن تدأب في الاحتراث، وتجمع التّراث للورّاث يعجبك التّكاثر

بما لديك ولا تذكر ما بين يديك، وتسعى أبدا لغاريك، ولا تبالي ألك أم عليك أتظنّ أن ستترك سدّى، وألّا تحاسب غدا أم تحسب أنّ الموت يقبل الرّشا، أو يميّز بين الأسد والرّشا. كلّا والله لن يدفع المنون، مال ولا بنون ولا ينفع أهل القبور سوى العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى وحقّق ما ادّعى ونهى النّفس عن الهوى، وعلم أنّ الفائز من ارعوى، وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى. ثمّ أنشد إنشاد وجل، بصوت زجل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت