فهرس الكتاب

الصفحة 651 من 1453

يا أكرم الناس إلا أن تعدّ أبا ... فات الكرام بآيات وآثار

أشكو إليك حليفي غارة شهرا ... سيف العقوق على ديباج أشعاري

ذئبين لو ظفرا بالشّعر في حرم ... لمزّقاه بأنياب وأظفار

سلّا عليه سيوف البغي مصلتة ... في جحفل من شنيع الظّلم جرّار

وأرخصاه فظل العطر متّهما ... لديهما يشترى من غير عطّار

إن قلّداك بدرّ فهو من نخبي ... أو ختّماك فياقوتي وأحجاري

كأنه جنة راقت حدائقها ... بين الغبيّين في نار وإعصار

عار من النسب الوضاح منتسب ... في الخالديين بين الخزي والعار

وشتّان بين قول السريّ في أبي بكر وأبي عثمان ابني هشام الخالديين، وبين قول الثعالبي فيهما حين قال: إنّ هذين لساحران، يغربان فيما يجلبان، ويبدعان فيما يصنعان،

وكان ما يجمعهما من أخوّة الأدب مثل ما ينظمهما من أخوّة النسب، وهما في الموافقة والمساعدة يجيئان بروح واحدة، ويشتركان في قول الشاعر وينفردان، ولا يكادان في السفر والحضر يفترقان، وكانا في التساوي، كما قال أبو تمام: [المتقارب]

رضيعي لبان شريكي عنان ... عتيقي رهان حليفي صفاء

بل، كما قال البحتري: [الكامل]

كالفرقدين إذا تأمّل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد

بل كما قال الصابي: [الطويل]

أرى الشاعرين الخالديّين نشرا ... قصائد يفني الدهر وهي تخلد

جواهر من أبكار لفظ وعونه ... يقصّر عنها راجز ومقصّد

تنازع قوم فيهما وتناقضوا ... ومرّ جدال بينهم يتردّد

فطائفة قالت سعيد مقدّم ... وطائفة قالت لهم بل محمد

وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم ... وما قلت إلّا بالتي هي أرشد

هما لاجتماع الفضل زوج مؤلف ... ومعناهما من حيث ألفت مفرد

كذا فرقدا الظلماء لمّا تشاكلا ... علا أشكلا ذاك أم ذاك أمجد

فزوجهما ما مثله في اتفاقه ... وفردهما بين الكواكب أسعد

فقاموا على صلح وقال جميعهم ... رضينا وساوى فرقد الأرض فرقد

وأفاضل الشأم والعراق، بعضهم يفضل السريّ عليهما، وبعضهم يفضلهما.

فهذا كله فصل في السرقات مستظرف، احتوى على فوائد من علم الأدب، وهي عشرون وجها والعشرون وجها في السرقة جلبتها من كتاب الوكيعي على اختصار.

* * * فقال: والذي جعل الشّعر ديوان العرب، وترجمان الأدب، ما أحدث سوى أن بتر شمل شرحه، وأغار على ثلثي سرحه. فقال له: أنشدنا أبياتك برمّتها ليتّضح ما اختاره من جملتها فأنشد: [الكامل]

يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار

دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار

وإذا أظلّ سحابها لم ينتفع ... منه صدى لجهامه الغرّار

غاراتها ما تنقضي وأسيرها ... لا يفتدى بجلالة الأخطار

كم مزده بغرورها حتّى بدا ... متمرّدا متجاوز المقدار

قلبت له ظهر المجنّ وأولغت ... فيه المدى ونزت لأخذ الثّار

فاربأ بعمرك أن يمرّ مضيّعا ... فيها سدى من غير ما استظهار

واقطع علائق حبّها وطلابها ... تلق الهدى ورفاهة الأسرار

وارقب إذا ما سالمت من كيدها ... حرب العدا وتوثّب القدّار

واعلم بأنّ خطوبها تفجا ولو ... طال المدى وونت سرى الأقدار

* * * قوله: «والذي جعل الشعر ديوان العرب» ، أي كتابا تدوّن فيه أخبارهم، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إن هذا الشعر جزل من كلام العرب به يعطى السائل ويكظم الغيظ وبه يؤتى القوم في ناديهم» . وعنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إنّ من الشعر لحكمة» (1) رواه ابن عمر رضي الله عنه قال: تعلّموا الشعر فإن فيه محاسن تبتغى ومساوي تتّقى. وحكمة للحكماء ويدلّ على مكارم الأخلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت