أما بعد فإن العلم أربح المكاسب، وأرجح المناصب، وأرفع المراتب، وأنصح المناقب، وحرفة أهل الهمم من الأمم، ونحلة أهل الشرف من السلف، لم يتقلد سلكه إلا جيد ماجد ولم يتوشح برده إلا عطف جادّ في طلب الكمال جاهد ولم يستحق اسمه إلا الواحد الفذ بعد الواحد، وهو وإن تشعّبت أفانينه، وتنوعت دواوينه فعلم الأدب
علمه، والأسّ الذي يبنى عليه كلمه، والرّوح الذي يخبّ في ميدان الطّروس قلمه ولذلك كان أولى ما تقترحه القرائح، وأعلى ما تجنح إليه الجوانح فذوو الأخطار في سائر الأقطار يتنافسون في اقتنائه، ويتصافنون في عافي إنائه [1] ، ويرتاحون لأوضاعه وتآليفه، ويستريحون إلى أعبائه المكدودة وتكاليفه، فإنه زمام المنظوم والمنثور، وقوام نطق الألسنة وفكر الصدور، ومنشط المقال من عقال الفهاهة، ومميز الأقدار بالمهابة والنباهة.
ولم يزل في كل عصر من حملته بدر طالع، وزهر غصن يانع، وعلم ترنو إليه أبصار وتوميء إليه أصابع، وصناعة البراعة بينهم تتمكن وتتأصل، وتنويع البديع ينضبط ويتحصل، والآخر يكدّ ذهنه في تتميم ما غادره الأول إلى أن اعتدلت كفتاه، وامتلأت ضفتاه، وراق مجتلاه ومجتباه، وتناهى في الحسن والإحسان لفظه ومعناه.
وكان آخر البلغاء وخاتمة الأدباء، أولهم بالاستحقاق، وأولاهم بسمة السباق، والفذ الذي قد عقمت عن توءمة فتية العراق، وفارس ميدان البراعة، ومالك زمام القرطاس واليراعة، والملّبي عند استدعاء درر الفقر بالسمع والطاعة، أبو محمد القاسم ابن علي الحريريّ سقى الله ثراه صوب رحماه، وكافأ إحسانه في الثناء عليه بحسناه فبسط لسان الإحسان، ومدّ أفنان الافتنان، ومهّد جادة الإجادة، وقوي مادة الإفادة، ولم يبق في البلاغة متعقّبا، ولا للرّيادة مترقبا، لا سيما في المقامات التي ابتدعها، والحكايات التي نوعها وفرعها، والملح التي وشحها بدرر الفقر ورصّعها فإنه برز فيها سابقا، وبزّ البلغاء فائقا، وأتى بالمعنى الدقيق واللفظ الرقيق مطابقا، وخلّدها تاجا على هامة الأدب وتقصارا [2] في جيد لغة العرب، وروضة تحوم أنفاس الهمم عليها، ولا تصل أيدي المطامع إليها.
ولما كانت من البراعة بهذا المحل الشهير، وسارت مسير النّيّرين بين مشاهير الجماهير جعلت الأعتناء بها سهم فهمي، والعكوف عليها تحرز عزمي، والدّءوب في حفظ لغاتها وفك مخبّآتها أهم همّي، وصيّرت تحفّظها فرض عيني، والفكر الذي لا يحول وسني بينه وبيني، فبدأت بروايتها عن الشيوخ والثقات، وتقييد ألفاظها عن أعلام هذه الجهات حتى لا أنقل لفظا إلا عن تحقيق، ولا أثبت ضبطا إلا من طريق.
فكان أول من أخذت عنه روايتها، وتلقيت منه درايتها، ببلدي، الشيخ الفقيه المقرىء أبو بكر بن أزهر الحجري، حدثني بها عن صهره الفقيه المحدّث الراوية أبي القاسم بن عبد ربه القيسي المعروف بابن جهور، عن منشئها أبي محمد الحريريّ.
(1) الصّفن بالضم: كالركوة يتوضأ فيها، وخريطة لطعام الراعي، وتصافنوا الماء: اقتسموه بالحصص (القاموس المحيط: صفن) .
(2) التقصار والتقصارة، بكسرهما: القلادة جمعه تقاصير.