فهرس الكتاب

الصفحة 957 من 1453

وقال أحمد بن حنبل: ما صلّيت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو الله للشافعيّ.

وقال له ابنه: أيّ رجل كان الشافعيّ حتى تدعو له هذا الدعاء؟ فقال: يا بنيّ كان كالشّمس للدنيا، أو كالعافية للناس.

وحدّث صالح بن أحمد بن حنبل قال: مشى أبي مع بغلة الشافعيّ في ركابه، فبعث إليه يحيى بن معين فقال له: يا أبا عبد الله، أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته! فقال: يا أبا زكرياء، لو مشيت من الجانب الآخر لكان أنفع لك، وما يمسّ أحد محبرة إلا وللشافعي في عنقه منّة.

وقال الشافعيّ رضي الله عنه: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأنّ الشّبع يثقّل البدن، ويقسّي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.

وقال: ما حلفت بالله لا صادقا ولا كاذبا.

وقال: ما ناظرت أحدا قطّ فأحببت أن يخطئ، وما كلّمت أحدا إلا أحببت أن يوفّق ويسدّد ويعان، ويكون عليه من الله رعاية وحفظ وما كلّمت أحدا إلا وأنا لا أبالي أن يبيّن الله الحقّ على لسانه أو لساني وما أوردت الحجة على أحد، فقبل مني إلا هبته واعتقدت محبّته، ولا ثابرني على الحق أحد ودافع الحجة إلا سقط من عيني ورفضته.

وكان يختم القرآن في رمضان ستين مرّة كلّ ذلك في الصلاة.

وقال الكرابيسيّ: بتّ معه غير ليلة فكان يصلّي نحوا من ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة آية. وكان لا يمّر بآية فيها رحمة إلا سأل الله لنفسه ولجميع المسلمين، ولا بآية عذاب إلا تعوّذ منها وسأل النجاة منها لنفسه ولجميع المسلمين.

وقال عمر بن عبد الله البلويّ: جلسنا يوما نتذاكر الزّهاد والعبّاد والعلماء، وما بلغ من زهدهم وفصاحتهم وعلمهم، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا عمر بن نباتة، وقال:

فيم تتحاورون؟ فأعلمناه، فقال عمر: والله ما رأيت رجلا قطّ أورع ولا أخشع ولا أصبح ولا أسمح، ولا أعلم ولا أكرم ولا أجمل، ولا أجلّ ولا أفضل، من محمد بن إدريس الشافعيّ، خرجت أنا وهو والحارث بن اللبيد إلى الصّفا، وكان الحارث صاحب صالح المرّي، وكان من المتّقين الخاشعين، وكان حسن الصوت، فقرأ {هََذََا يَوْمُ لََا يَنْطِقُونَ وَلََا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [النازعات: 35، 36] فرأيت الشافعي رضي الله عنه قد تغيّر لونه، واقشعرّ جلده واضطرب اضطرابا شديدا، ثم خرّ مغشيّا على وجهه، فلما أفاق جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكاذبين، وأعراض الغافلين! اللهم خضعت لك قلوب العارفين، وذلّت لك قلوب المشتاقين، اللهم هب لي جودك، وجلّلني بسترك، واعف عن تقصيري بكرم وجهك. ثم قمنا وتفرّقنا.

وقال الربيع بن سليمان، سمعت الشافعيّ رضي الله عنه، يقول: أتى عليّ عيد وليس عندي نفقة، فاستسلفت سبعين دينارا لنفقة أهلي، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل من

قريش يشتكي إلي الحاجة فأخبرته خبري، وقلت له: خذ ما تحبّ، فقال لي: ما يقنعني إلّا أكثر من هذه الدنانير، فقلت له: فخذها، وبتّ وما معي دينار ولا درهم، فبينا أنا في منزلي إذ أتاني رسول جعفر بن يحيى البرمكي يقول: أجب الوزير، فأجبته. فقال: ما شأنك في هذه الليلة؟ يهتف بي هاتف كلّما دخلت في النوم، يقول: الشافعيّ الشافعيّ، فأخبرته بالخبر، فأعطاني خمسمائة دينار، ثم قال: أزيدك فأعطاني خمسمائة أخرى، فلم يزل يزيدني حتى أعطاني ألفي دينار. ومن جوده أن سوطه وقع من يده، فأعطى من ناوله إياه خمسين دينار وورد مكة بعشرة آلاف درهم، فضرب خباءه خارجها، فأتاه الناس، فما برح من موضعه حتى فرّقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت