قال ابن جرير الطبري في جامع البيان في تفسير القرآن 17/ 115:"يعني بقوله [إن مكناهم في الأرض] إن وطنا لهم في البلاد فقهروا المشركين وغلبوهم عليها وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة أطاعوا الله فأقاموا الصلاة بحدودها. [وآتوا الزكاة] يقول وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له [وأمروا بالمعروف] يقول دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله [ونهوا عن المنكر] يقول ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه والذي ينكره أهل الحق والإيمان بالله".
هذا هو العمل الواجب على الراعي والرعية عندما يمكّن الله لهم في الأرض، ويهزم عدوهم، فهل تم ذلك في بلاد الإسلام بعد حركات التحرر والاستقلال؟!! الحق يقال أن الفساد والمنكر والفحش والمعاصي أصبحت سلعة رائجة بعد الاستقلال حتى أصبح الحرام القطعي له قانون يحميه فالخمور تباع وتشترى وتصدّر إلى الخارج والزنا له بيوت خاصة لها قانون يحميها الخ ... من المناكر العظيمة أليست هذه أكبر خيانة للذين ضخوا في سبيل تحرير الدار الإسلامية بأعز ما يملكون!! كان الواجب فور الاستقلال العودة إلى الله تعالى وشرعه الحنيف والمحافظة على مقومات الأمة من التفسخ والاندثار بل أكاد أقول إن بقية الأخلاق التي كنا نحافظ عليها أيام الاستعمار هي في طريقها إلى الزوال -إلا أن يشاء الله- وما ذلك إلا بخيانة الحكام لتضحيات شعوبهم.
قال الإمام الدهلوي في إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء 1/ 23:" [أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة] أشار إلى إقامة أركان الإسلام [وأمروا بالمعروف] يعم إحياء علوم الدين [ونهوا عن المنكر] يعم الجهاد مع الكفر وأخذ الجزية منهم لأنه لا منكر أشد من الكفر ولا نهي أقوى من قتل أهله وأخذ الجزية منهم وإقامة الحدود والتعزير على العصاة من المسلمين".
قال القرطبي في تفسيره:"إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل واحد، وإنما يقوم به السلطان إذا كانت إقامة الحدود إليه والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له والنفي والتغريب فينصب في كل بلدة رجلًا صالحًا قويًا أمينًا ويأمره بذلك ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة قال الله تعالى:"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ ..."."
قال ابن تيمية في الحسبة 57:"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وإقامة الحدود الواجبة على ولاة الأمور وذلك يحصل بالعقوبات على ترك الواجبات وفعل المحرمات".
لا شك أنه من خلال هذه النقول يتضح أن إقامة الدين ليس المقصود منه كما يفهم الكثير من الناس أنه مجرد فتح جامعات إسلامية أو عقد ندوات علمية شرعية -وإن كان لا