رسول الله وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكرنا منه علمًا"وفي حديث [البخاري ومسلم] قال (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى عن مسح الحصى في الصلاة) . فإذا كان الإسلام تحدث في أبسط الشؤون أفيغفل عن الجانب السياسي؟ كلا ورب الكعبة خذ مثلًا قوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا" [النساء الآية 59] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية ص5"إذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة". ولذلك بنى رسالته كلها على هذه الآية قائلًا"فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع السياسة الإلهية والإنابة النبوية ولا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب إليه نصحه من ولاة الأمور"ومن هنا قال الإمام الشاطبي في الاعتصام ص 28"وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة"."
رابعًا: بيان الفرق بين السياسة عند المسلمين وعند غيرهم فهي عند المسلمين صدق ووضوح وشرف وعند غيرنا كذب، ومكر، ومخادعة. قال الشيخ أبو يعلى الزواوي سنة 1937"السياسة عندنا معشر المسلمين عمومًا والعلماء خصوصًا هي خلاف ما عند الإفرنج وعندنا إنها عبارة عن تدبير الأمور ... وعليه فمن أحق وأجدر بالسياسة من العلماء الحذاق الفطن؟! أما عند الافرنج فهي عبارة عن الحيلة والغش والمكر والخديعة. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (المكر والخديعة في النار) . فتطبيق الافرنجة على السياسة الإسلامية تطبيق الشيء على ضده وقد اغتر بهذا بعض الجهال المسلمين".
قلت: ولذلك عندما قدمت الجبهة الإسلامية قانونها الأساسي بينت أنها تعمل بالكتاب والسنة وما كان عليه أئمة المسلمين كما كانت صريحة بأن تلتزم بالعمل السياسية السلمي ما التزمت السلطات به دون حيف أو جور لأننا نرى أن السياسة الشرعية لا يجوز فيها إلا الوضوح مع الخصم والصديق خلافًا للنظام الماكر المخادع المتربص بالمسلمين الدوائر عليه دائرة السوء.
قال عبد المنعم النمر في كتابه الاجتهاد ص151"وقد يستغرب بعض الناس الآن هذه التسمية"السياسة الشرعية"لأنهم دأبوا على فهم السياسة بمعناها العام المألوف الآن في الدول ولذا تجدهم يفرقون بينها وبين الدين ... لأنها تبتعد في طرقها عن منهج الدين والواقع أن كلمة السياسة المعروفة الآن والسياسة المعنية عند رجال التشريع الإسلامي تنبعثان من أصل لغوي واحد من (ساس، يسوس) الأمر إذا دبره ونفذه على أحسن وجه يراه ..."