خرجوا عن ظلم السلطان فلا يحل قتالهم وإن كانوا إنما شقوا العصا فقتالهم حلال، فجاوبه المأمون بجواب قبيح سبّه فيه وسبّ مالكاُ وقال له ارحل عن مصر فقال يا أمير المؤمنين إلى الثغور قال الحق بمدينة السلام"هكذا كانت صلابة العلماء في الصدع بالحق والوقوف مع المظلوم ولو بالنصح والبيان الحق لا كما يفعله علماء السوء الذين يداهنون الحاكم ويتملقون إليه ويفرخون له الفتاوى الباطلة التي تزهق بها الأرواح البريئة، فليحذر المسلم أن يخذل الحق وينصر الظلمة الكفرة الفجرة ولا يجوز التعلل"بالخبزة"ونحو ذلك من العلل الواهية الكاذبة لتنفيذ أوامرهم الباطلة شرعًا بل وحتى قانونًا! فهذا أبو ذر الغفاري قال للعصابة التي شهدت احتضاره"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا منهم (ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين) وليس من أولئك النفر أحدًا إلا وقد هلك في قرية أو جماعة والله ما كذبت ولا كذبت ولو كان عندي ثوب يسعني كفنًا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها وإني أنشدكم الله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار فقال أنا أكفنك يا عم في ردائي هذا وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي قال أنت تكفنني يا بني"نعم لم يكفنه إلا الأنصاري لأنه لم يعمل في شؤون الدولة ولم يكن مسؤولًا عندها هذا في زمانه والشريعة مطبقة والفتوح قائمة وسوق العلم والأخلاق والفضائل رائجة فكيف لو حضر زماننا هذا الأنكد الذي أذل فيه حكام المسلمين شعوبهم وقهروهم وجعلوهم أكلة سائغة لأعداء الإسلام من كل ملة ونحلة فعجز المسلمون حتى عن الدفع عن أنفسهم فضلًا على إخوانهم في البلاد القريبة أو البعيدة والله المستعان."
وجاء في طبقات ابن سعد أنه لما قدم أبو موسى الأشعري من البصرة وكان عاملًا عليها فأقبل على أبي در يحتضنه ويقول"مرحبًا بأخي فجعل أبو ذر يدفعه عن نفسه ويقول: إليك عني لست بأخيك إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل"انظر قال هذا لهذا الصحابي الجليل فكيف لو رأى قضاة هذا الزمن وشرطته وجيشه ودركه الذين يلغون في دماء الأبرياء؟!! تارة بحجة الإكراه وتارة بحجة الخبزة، وتارة بحجج واهية وتافهة لا قيمة لها أصلًا.
قال ابن تيمية في الإيمان 61:"وقال غير واحد من السلف: أعوان الظلمة من أعوانهم ولو أنه لاق لهم دواة أو برى لهم قلمًا ومنهم من كان يقول: بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم وأعوانهم هم أزواجهم المذكورون في الآية يقصد قوله تعالى"احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ" [الصافات: الآية22] ."
قال الإمام البغوي"اختلف الناس فيما يأمر الولاة من العقوبات قال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما أمر به الولاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه فيما كانت ولايته إليهم".