2 -من سيرة الصديق رضي الله عنه: نقل ابن اسحاق في سيرته عن أنس بن مالك قال لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فتكلم عمر ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال"يا أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف منكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى أخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"انظر البداية والنهاية لابن كثير ج6/ ص301. وفي رواية"وإنما أنا متّبع ولست بمبتدع فإن استقمت فبايعوني وإن زغت فقوموني".
تعليق: لا شك أن التقويم والتسديد هو ما نسميه بالنقد السياسي حتى ولو كان في أعنف صوره وهي مقاومة الظلم عمليا فالخليفة الراشد الأول يقرر -كما رأينا- بنفسه أو بتعبير أكثر دقة يعلن بنفسه مبدأ النقد السياسي وحرية الرأي ويدعو الناس في المسجد وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حق ممارستهم له في مواجهته وهو مَن هو بلا خوف ولا تردد فأين هو الاستبداد أو أن الحاكم المسلم فوق النقد؟!!!.
3 -من سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والحديث عن عمر في هذا المجال طويل ولكن نكتفي بهذه الشذرات.
-قال أبو يوسف في كتابه الخراج ص19:"رُوي عن الحسن البصري أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب اتق الله يا عمر وأكثر عليه فقال له قائل اسكت فقد أكثرت على أمير المؤمنين فقال له عمر"دعه لا خير فيهم إن لم يقولوها ولا خير فينا إن لم نقبل"."
-ويخطب في الناس حينما تولى الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه فيقول للرعية ويبصرها بحقها في النقد والتقويم ولو بالسيف إذا اقتضى الأمر:"من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقومه"فيرد عليه أعرابي من وسط الناس فيقول"يا عمر لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا فيقول الحمد لله الذي جعل في أمة عمر من يُقوم اعوجاج عمر بسيفه".
-وقف عمر ذات يوم يسأل من حضر مجلسه من الصحابة:"ما قولكم لو أن أمير المؤمنين شاهد امرأة على معصية؟ فقال له علي رضي الله عنه يأتي بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين"انظر الطرق الحكمية لابن القيم. وها نحن نجد علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخبر عمر بن الخطاب أنه واحد كبقية الناس أمام القانون الإلهي ولا يشفع له مركزه وعدالته وتقواه وورعه.