والنصارى يروجون لها ويفضلونها على حكم الشريعة على أن لهذه القوانين بنودًا لا تصادم الشريعة وقد توافقها وفيها ما يوافق اجتهادات لفقهائنا وفيها ما يخالفها، والحرج كل الحرج فيما يصادم قرآنًا أو سنة متواترة أو إجماعًا أو يهدم قاعدة، وإن في واضعي هذه القوانين ومستورديها وأنصار الفقه بها من يجاهر أن آراءها أفضل وأنسب من أحكام الشريعة في أمثالها وأن في إحلالها محل الشريعة تقدمًا ورقيًا وتطورًا، إن هذه القوانين قد ورثناها عن عهود الاستعمار وفرضت علينا فرضًا بالقوة والقهر أو بالكيد والمكر وكانت علينا جميعًا بلية على الأمة وقضاتها وأمرائها"."
قال محمود شاكر وهو يفند شبهة خطيرة في تفسير القرطبي ص349 وهذه الشبهة تنزيل تبديل الشريعة بكفر دون كفر فقال"فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا في القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه، والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء وإيثار حكم غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة وادعاء المحتجين على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة وادعاء المحتجين بذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز، والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس ... ولو كان الأمر على ما ظنوا من خبر أبي مجلز أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنما لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكمًا حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها هذه واحدة، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة وإما أن يكون حكم به متأولًا حكمًا يخالف به سائر العلماء فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من إقرار بنص الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر جاحدًا لحكم من أحكام الشريعة أو مؤثرًا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه، فمن احتج بهذين لأثرين [أي كفر دون كفر] وغيرهما في غير بابها وصرفها إلى غير معناها، رغبة في نصرة السلطان أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله أن يستتاب فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين".