لا أرى خصال القضاء تجتمع اليوم في أحد فإذا اجتمع منهما في الرجل خصلتان رأيت أن يولى العالم والورع فيتعين أن يكون القاضي أمثل العلماء الصالحين للقضاء وبمقدار قوة علمه يزداد ترجحه ... قال ابن القاسم: لا يستقضى من ليس بفقيه. وقال أصبغ وأشهب ومطرف وابن الماجشون: لا يصلح كون القاضي صاحب حديث لا فقه معه ولا صاحب فقه لا حديث معه .... قال ابن عبد البر في الكافي: لم يختلف العلماء بالمدينة وغيرها فيما علمت أنه لا ينبغي أن يولى القضاء إلا الموثوق به في دينه وعلمه وفهمه"."
وجوب تجرد القاضي عن كل ما من شأنه يجعله نفوذ غيره فإن العبودية مراتب وفي الحديث (تعس عبد الدرهم تتعس عبد الدينار وتعس عبد القطيفة الذي إذا أعطى رضي وإن لم يعط لم يرض) فجعل ذلك سببًا لاستعباده .... ومن هنا يتضح ما قاله أشهب أن من واجبات القاضي أن يكون مستخفًا بالأئمة أي مستخفًا بتوسطاتهم في النوازل وشفاعتهم فيها وفي إنفاذ الحق عليهم وعلى ذويهم وليس المراد أنه مستخف بحقوق الأئمة في تقرير الطاعة العامة"."
تعليق: يعلم من هذا أن أغلب القضاة إن لم نقل كلهم أحكامهم باطلة بقوة الشرع لعدم توفر الشروط السابقة وأغلب القضاة عبيد للمنصب -إلا ما رحم ربي- تمرر الأحكام القاسية الجافية تحت عباءتهم الفضفاضة فيظلمون الناس ويزجون بهم في السجون السنين الطويلة من أجل أكل السحت والحرام أو خوفًا من الطغمة العسكرية وخاصة في القضايا السياسية وهم من أعلم الناس بأن القضية لا تعدو أن تكون تصفية للمعارضة السياسية فلا هم حكموا بالشرع وهو الواجب وغيره حرام، ولا هم احترموا نفس القانون الذي أضاعوا فيه سنين عديدة دراسة وتفسيرًا. ألا ما أرخص هؤلاء الخلق عند الله تعالى ثم عند الناس، فلا حقًا نصروا ولا ظلمًا كسروا وإن سجون الجزائر مليئة بآلاف الأبرياء ممن كانوا ضحية ظلمهم وتعسفهم الوقح.
والآن إليكم أيها المجلس"الأعلى"للقضاء ما قاله أئمة الإسلام في القاضي الذي يحكم بغير ما أنزل الله:
قال ابن حزم الأندلسي في المحلى ج1/ ص59"ولا يحل الحكم إلا بما أنزل الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهو الحق وكل ما عدا ذلك فهو جور وظلم ولا يحل الحكم به ويفسخ أبدًا إذا حكم به حاكم، برهان ذلك قوله تعالى"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ" [المائدة: الآية 49] ، وقوله تعالى"لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" [النحل: الآية 44] ... والظلم لا يحل إقراره والخطأ لا يجوز إمضاؤه".