فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 295

بذلك وسطره في كتابه سيبويه، والناس بعده غير منكرين عليه ذلك. )) [1] فالزجاج يعتمد في قوله بالإجماع على تسالم الناس من العلماء من بعد سيبويه إلى عصره على هذه القسمة وعدم إنكارهم إياها، فهم مقرُّون لها، والإقرارُ وعدمُ الإنكارِ حُجَّةٌ، ثم إنه يعللُ سببَ انحصار هذه القسمة بتلك الأقسام قائلًا: (( فنحن نعلم أن الله - عز وجل - إنما جعل الكلام ليعبر به العباد عمَّا هجس في نفوسهم وخاطب به بعضهم بعضًا بما في ضمائرهم بما لا يوقف عليه بإشارة ولا رمز ... فيبين أن المخاطَب والمخاطِب، والمخبَر عنه والمخبر به أجسامٌ وأعراضٌ تنوب في العبارة عنها أسماؤها، أو ما يعتوره معنى يدخله تحت هذا القسم من أمر أو نهيٍ أو نداءٍ أو نعتٍ أو ما أشبه ذلك مما تختص به الأسماء، لأن الأمر والنهي إنما يقعان على الاسم النائب عن المسمى، فالخبر إذن هو غير المخبِر والمخبَر عنه، وهما داخلان تحت قسم الاسم، والخبر هو الفعل، وما اشتق منه، أو تضمن معناه - وهو الحديث الذي ذكرناه - ولابدَّ من رباط بينهما وهو الحرف، ولن يوجد إلى معنى رابع سبيل، فيكون للكلام قسمٌ رابعٌ، وهذا معنى قول سيبويه: الكلم اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ ... ) ) [2] ، ثم إنه يورد حجَّةً أخرى: وهي أنه يرى إن المدعي أن للكلام قسما رابعا أو أكثر إنما هو مُخمِّنٌ أو شاكٌّ وليس متيقنًا وإلاَّ لجاء بالقسم الرابع من خلال استقراء كلام العرب أجمع، وأما الأقسام الثلاثة فنحن متيقنون منها، ولسنا بتاركي اليقين إلى الشك [3] .

يلاحظ في تعليل الزجَّاجي (ت 337 هـ) سعة الأفق ودقة الملاحظة، إذ نظر أوَّلا إلى وظيفة اللغة ودورها في نقل الأفكار وإيصالها إلى الآخرين، وأن تلك الأفكار لا تنقل بطرق التواصل الأخرى، التي تعتمد الرمز أو الإيماء، وبهذا يكون ستيفن أولمان مخالفا للزجاجي، إذ يرى أن الكلمات تؤدي وظائفها بالطريقة نفسها التي تتبعها الرموز والعلامات الأخرى غير أن خاصتها المميزة لها استخدامها أصواتًا واضحة المعالم [4] ، فالزجَّاجي يرى أنَّ الكلمات لها قابلية تفوق الأنظمة الرمزية و الإشارية أخرى، وتمتلك قدرة أوسع على نقل ما يهجس في النفوس والضمائر من مواقف وحالات. وقد حلل الزجَّاجي عملية التخاطب اللغوي، فوجد أنها تحتوي على (جواهر) و (أعراض) متمثلة بالأجسام والحالات، وأنَّ الكلمات تنوب عن تلك الجواهر و الأعراض، ثم إنَّه لابدَّ من رابط يربط أطراف القضية. وبعد ذلك نراه يعتمد الحس الاستقرائي، فيطالب من يدعي وجود قسم رابع أنْ يظهره من كلام العرب بعد أنْ يستوعبه بحثًا واستقراءً، وفي الوقت نفسه فهو يؤيد المبرد حينما يعتقد أنَّ الكلام غير العربي ينقسم على هذه الأقسام أيضا، لأنَّ الغرض منه مشابه لمكونات كلامهم ودوافعه [5] .

-ذكر ابن فارس (ت 395 هـ) إجماع أهل العلم على أنَّ أقسام الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف [6] .

-وعلل أبو البركات العلوي (ت 539 هـ) سبب انحصار هذه القسمة بثلاثة أقسام لا غير وذلك من خلال شرحه لكلام ابن جني (ت 392 هـ) في اللمع قائلًا: (( إنَّ الكلام لما كان موضوعا على الفائدة كما ذكرنا، وكان الاسم مع الاسم يأتلف فيكون منهما كلامٌ مفيدٌ نحو قولنا(زيدٌ كريمٌ، وعمرو منطلقٌ) ، والفعل يأتلف مع الاسم فيكون منهما كلام مفيد نحو قولنا (خرج بكرٌ، وضرب عبد الله) ، وكان في الجمل ما لا يصح اتصال بعضه ببعض جاؤوا بالحروف لتربط بين الجملتين، وذلك نحو قولنا (مررت بزيدٍ) ، فالباء وصلت المرور

(1) - الإيضاح في علل النحو: 41.

(2) - نفسه:42.

(3) - ظ: نفسه 43.

(4) - ظ: دور الكلمة في اللغة: 31.

(5) - ظ: الإيضاح في علل النحو: 44 - 45.

(6) - ظ: الصاحبي في فقه اللغة: 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت