فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 295

ومما حمل على معنى المصاحبة قوله عَزَّ شَأنُه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} (الرعد من الآية:6) أيْ: (( مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب. ) ) [1] . إنَّ المعنى المركزيّ هنا واضح وإن كان معنى المصاحبة الهامشي يُمكن أن يُفهَم من السياق، فالله تعالى شأنه ذو مغفرةٍ متعالً فوقَ تصرفات الناس وظلمِهم، وهذه المغفرةُ مع وجود الظلم فهي تصحبه، وسعة رحمة الله ورأفته بالعباد لم تشترط أن يتخلى الناس عن الظلم ويتركوه لتنالهم الرحمة الإلهية، بل هي تعمُّ المؤمن والظالم، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} (النحل من الآية:61) ، فمعنى الاستعلاء واضحٌ جليٌّ، ويرافقه معنى المصاحبة. ولو كنا نقول بالتناوب كما يقول الكوفيون لتخلينا عن معنى الاستعلاء، وحفظنا معنى المصاحبة فقط، وفي هذا اقتطاع لجزء حيويٍّ مهمٍّ من المعنى لا يمكن التخلي عنه، فلو قلنا إن ربك لذو مغفرة للناس مع ظلمهم فلسائل أن يسأل عن سبب المغفرة مع الظلم وما الذي يقتضيها، أهو ضَعفٌ؟ أم غفلةٌ؟ أم تهاونٌ؟ أم تعالي الذات المقدسة عن العجلة والرأفة بالعباد؟ وهنالك الكثير من الأسباب. في حين تستطيع نظرية المعنى الهامشي أن تحفظ لنا الجواب، وتطرحه مع النص مباشرة، وتمنع مثل تلك الحيرة عند المتلقي، فالله تعالى شأنه متعالٍ عن الناس، وإن كانوا ظالمين، وبيَّنت القرائن المساعدة للنص سبب ذلك كما في آية النحل.

ومن المعاني الأخرى التي حمل عليها (على) معنى اللام أي التعليل [2] ، وذلك في مثل قوله تعالى: {كَذلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} (الحج من الآية:37) ، أي لهدايته إياكم، وربما خرَّجَ بعضُ البصريين المعنى على التضمين قال الزمخشريُّ: (( لتشكروا الله على هدايته إياكم لأعلام دينه ومناسك حجّه، بأن تكبروا وتهللوا، فاختصر الكلام بأن ضمَّن التكبير معنى الشكر، وعُدِّىَ تَعديَتَهُ. ) ) [3] . أقول يمكن أن يكون التعليل معنى هامشيا في هذه الآية فهنالك قدرٌ من الاستعلاء ملحوظٌ، فقد سخَّر الله الأنعام للإنسان ليصل بها إلى مناسك الحج، وهذا يقتضي الشكر والتكبير، فيكبر الله تعالى مرتفعا بالتكبير فوق الحمد على الهداية لدينه فقط، بل يكبِّرُ الله حمدا له على الهداية لدينه وحمدا على تسخيره هذه الأنعام وتمكينه منها [4] .

ومن الحروف التي قالوا بتناوبها مع هذا الحرف (من) وذلك في نحو قوله تعالى: {وَيلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} (المطففين:1 - 3) ، قال الفراء: (( يريد: اكتالوا من الناس، وهما تتعاقبان:(على ومن) في هذا الموضع، فإذا ... قال: اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك، فهو كقولك استوفيت منك. )) [5] ، ونقل أن (( البصريين يذهبون في هذا إلى التضمين، أي: وإذا حكموا على الناس في الكيل. ) ) [6] . الذي دفع البصريين إلى هذا التأويل التزامهم بنظرية التضمين، وأن الحرف

(1) - جوامع الجامع: 2\ 251.

(2) - ظ: الجنى الداني:445، مغني اللبيب:191، جواهر الأدب: 222، البرهان: 4\ 284، نظرية الحروف العاملة:197، تناوب حروف الجر في لغة القرآن: 101، التراكيب اللغوية في العربية: 66.

(3) - الكشاف:3\ 15.

(4) - ظ: مفاتيح الغيب:32\ 225 - 227، تفسير أبي السعود:6\ 103 - 107.

(5) - معاني القرآن:3\ 246، وينظر معه: مجاز القرآن:1\ 14، تأويل مشكل القرآن:429، معاني القرآن وإعرابه:2\ 239، مغني اللبيب:191،جواهر الأدب:222، همع الهوامع:2\ 28، نظرية الحروف العاملة:198، تناوب حروف الجر في لغة القرآن:102.

(6) - الجنى الداني: 445.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت