باق على معناه، وليس له إلاَّ معنى الاستعلاء، أما قول الكوفيين بتناوب الحرف يفقده أيضًا معنى الاستعلاء، ويبقي له معنى ابتداء الغاية، وفي الحالتين إخلال بتمام المعنى.
إن القول بنظرية المعنى المركزي والمعاني الهامشية يسمح لنا بطرح تأويلٍ أكثرَ قبولًا وأكثرَ منطقيَّة لهذه الآية وأمثالها، متمشيا مع روح التعبير القرآني المتحرك، وذلك على النحو الآتي: يقال في اللغة: (( كَالَ الطعام ونحوه يَكِيلُ كَيْلًا، ... ، واكتاله وكاله طعاما وكاله له، ... ، يقال: كال المعطي واكتال الآخذ. ) ) [1] وبناءً على هذا بإمكان نصٍّ مماثل لهذه الآية القرآنية أن يكتفي بالقول: (ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا يستوفون، وإذا كالوا أو وزنوا يخسرون) ، فيُفهَم من هذا النص أن المطففين يستوفون حقَّهم إذا كانوا آخذين، ويبخسون الناس إذا كانوا معطين، ولكن الآية لم ترد إيصال هذا المعنى فقط، بل كانت توصل معه دفعات من المعاني الهامشية التي أفادها السياق بإضافة (على الناس) ، فالآية الكريمة تصوِّرُ طائفة من الناس كأنهم يرون أنفسهم فوق البشر، وأعلى منهم رتبة، فيعمد هؤلاء إلى بخس الناس حقوقهم، ومنها حقهم في الكيل والميزان، فهؤلاء يُصوُّرهم القرآنُ الكريمُ يكتالون من منظار الفوقيَّة، وأنهم أعلى من الناس؛ ولأنهم أعلى من الناس وَجَبَ أن يستوفوا كيلهم عندما يكونون آخذين، ولا يضر أن يبخسوا الناس حينما يكونون معطين. أما ما يفهمه بعض المفسرين من أنها بمعنى (من) وأنَّه كالدين في حق الآخرين يجب أن يؤخذ منهم فهو معنى هامشي متأت من قرائن معينة مصاحبة للنص، ويبقى معنى الاستعلاء ملازما له، وتبقى النظرة الفوقية مسيطرة على النص. إن هذا التفسير يتمكن من أن يجمع بين المعنيين، ولا يطرح أحدهما، ولا يجمَّد الصورة القرآنية؛ من هنا تأتي قوَّة نظرية المعنى الحرفي المركزي والمعاني السياقية المرافقة له.
ليس غريبا أن نجد من يعوِّض (عن) بـ (على) في هذه الآية وغيرها، ويقول: إنها نابت منابها فقد قال ابن منظور (( قال بعضهم في قوله تعالى: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} (البقرة من الآية:259) ، أي خاوية عن عروشها لتهدمها، جعل على بمعنى عن، كما قال الله - عز وجل: ... {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} ، أي اكتالوا عنهم لأنفسهم، وعروشها: سقوفها، يعني قد سقط بعضه على بعض، وأصل ذلك أن تسقط السقوف ثم تسقط الحيطان. )) [2] ، وقال في موضع آخر: (( قال أبو زيد في باب الأضداد: طلعت على القوم أطلع طلوعا إذا غبت عنهم حتى لا يروك، وطلعت عليهم إذا أقبلت عليهم حتى يروك. قال ابن السكِّيت: طلعت على القوم إذا غبت عنهم صحيحٌ، جعل(على) فيه بمعنى (عن) ، كما قال الله - عز وجل: {وَيلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} ، معناه: عن الناس، ومن الناس. قال وكذلك قال أهل اللغة أجمعون. )) [3] . اختلاف المعاني المنسوبة إلى (على) في آية المطففين يَنِمُّ على اضطرابٍ، وعدمِ استقرارٍ في تحديد معنى الحرف، وقد يُعدُّ هذا التعدد في نسبة المعاني، وعدم الاستقرار على واحد منها خرقا بحسب نظرية التضمين البصرية، التي تفترض أن كلَّ حرفٍ له معنىً واحد، في حين تسمح نظرية المعاني الهامشية بتعدد المعاني وتكثرها، فكلَّما استطاع المفسر أن يوجِّه الكلام وجهة جديدةً - تبعا لقرائن السياق المتوافرة بين يده - استطاع أن يولِّدَ معاني جديدة.
(1) - لسان العرب: مادة (كيل) :11\ 604 - 605.
(2) - لسان العرب: مادة (عرش) :6\ 314.
(3) - لسان العرب: مادة (طلع) :8\ 237.