فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 295

إنَّ نسبة معنى (عن) إلى (على) في آية المطففين يكون بهذه الصورة: إن هؤلاء الناس إذا اكتالوا أي كانوا آخذين فإنهم يستوفون متجاوزين الناس غير آبهين لهم، إذ إنَّهم يبخسونهم حقوقهم عندما يكيلونهم في حين يستوفون عندما يكتالون منهم، ولا أرى المعنى واضحا أكثر من هذا الحد وأرجِّح أن يبقى الحرف على معناه المركزي، أو معناه المركزي مضافا إليه معنى (من) الهامشي كما تقدَّمَ آنفا.

أما في قوله تعالى: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} ، قال الرازي في تفسيرها: (( يقال للبيت إذا انهدم: خَوَىَ لأنَّه بتهدمه يَخلُو من أهله، ... ، والعَرشُ سَقفُ البيتِ، والعُرُوش الأبنية، والسقوف من الخشب، ... ، فقوله: {وهي خاوية على عروشها} أي مُنهَدِمَةٌ سَاقِطَةٌ خَرَابٌ، قاله ابن عباس ( ... ، وفيه وجوه أحدها: أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى: {أعجاز نخل خاوية} (الحاقة: 7) وموضع آخر {أعجاز نخل منعقر} (القمر: 20) وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني: قوله تعالى: {خاوية على عروشها} أي خاوية عن عروشها، جعل {على} بمعنى {عن} كقوله {إذا اكتالوا على الناس} (المطففين: 2) أي عنهم والثالث: أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر. )) [1] الوجه الأول الذي ذكره الرازي عن ابن عباس تُفَسَّرُ فيه (على) بمعناها المركزي، وهو الاستعلاء، فالقرية خاوية فوق عروشها، وهو المعنى الأول المتبادر ولعلَّه أبسط المعاني تركيبا، أما المعنى الثاني الذي يعوض فيه (عن) بـ (على) فلم يفسره الرازي واكتفى بأن مثَّله بآية المطففين، وأستطيع أن أقدِّم تَصوِّري عن هذا المعنى وفاقا لنظرية المعاني الهامشية بالصورة الآتية: لما كانت (عن) تعني المُجاوزة والبُعد، وهذه القرية خاوية على عروشها بمعنى عن عروشها، فكأني بهذه القرية قد حلَّ بها غضب الله، فتناثرت جدرانها وأثاثها، وعنده سقطت السقوف فوق أسس البناء، في حين الجدران والأثاث (القرية) قد تناثر مبتعدا عن العروش (السقوف) ، ولعلَّ شيئا من تلك الجدران سقط ثانية فوق العروش فعلاها، فالصورة بحسب هذا الفهم توضَّح لنا، كأن زلزالا أصابَ القرية، أو انفجارا مما نشهده في هذا العصر قد حلَّ بها، فتناثرت مبتعدة عن السقوف، التي عادة ما تكون ثقيلة نسبيا، فسقطت مكانها وصورة القرية المتناثرة أدعى للعجب إذا ما أراد الله إعادتها إلى حياتها الأولى. إن القرائن هي التي تسمح للمفسر أن يطرح تفسيرا معينا لكل نصٍّ؛ لأنها توفر أمامه معطيات استنباط المعنى من ذلك النص.

ومن أشهر الأبيات التي قيل إن (على) أتت فيه بمعنى (عن) قول القحيف العقيلي (ت 130 هـ) [2] :

(الوافر)

إِذا رَضِيَت عليَّ بنو قُشَيرٍ ... لعَمرُ اللهِ أَعجَبَني رضاها

أي عني، وقيل يحتمل أن الفعل (رَضِيَ) ضُمِّنَ معنى (عطف) الذي يتعدى بـ (على) وهذا تبعا لرأي البصريين في بقاء الحرف على معناه الأصلي وتضمين الفعل معنى فعلٍ آخر. وفي نظرية المعاني الهامشية نستطيع أن نقول إن معنى الاستعلاء ما زال محفوظا، فبنو قُشَير

(1) - مفاتيح الغيب:7\ 20 - 34.

(2) - شرح ابن عقيل:2\ 25، الأمالي الشجريَّة:2\ 269، المخصص:14\ 65، الأزهية:287، ارتشاف الضرب:2\ 453، الجنى الداني:445، مغني اللبيب:191، خُزَانَةُ الأَدَبِ:10\ 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت