حينما يرضون عليه فهم في مرتبة أعلى وهو يطلب رضاهم، وأما المجاوزة بعد الرضا فهي قدرٌ مضافٌ من المعنى.
ونسب أيضًا لـ (على) معنى الظرفية [1] ، في نحو قوله تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} (القصص: 15) ، أي في حين غفلة، ولم أجد من المفسرين من يصرِّح بأن (على) هنا بمعنى (في) على كثرة ما راجعت من التفاسير، فيبقى هذا الكلام زعما من اللغويين، قال القرطبيُّ في تفسيرها: (( يقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، فدخلت(على) في هذه الآية لأن الغفلةَ هي المقصودةُ، فصار هذا كما تقول: جئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة، وكذا الآية. )) [2] ، إن معنى الاستعلاء إذا ما لحظ في تفسير الآية يزيد المعنى رونقا ورصانة فقد دخل موسى المدينة مستعليا على أهلها لأنهم غافلون فهو غير آبه لحالهم وتوعدهم له، وأنا أفهم منها أنه دخل المدينة وقلبه مطمئن لا خائف ولم يدخل الخوف قلبه حتى قتل ذلك الرجل عندها خشي القوم، أما معنى الظرفية فمفهوم من السياق وإن لم يصرِّح به المفسرون، إذ عند دخوله المدينة أصبحت ظرفا له وقد حلَّ بها، وهذا يضاف إلى المعنى المركزي للحرف، ولم يدلّ الحرف عليه صراحة، بل فهم من السياق العام للنص.
وفي قوله - عز وجل: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} (البقرة من الآية: 102) ، قال الفراء: (( كما تقول: في ملك سليمان، تصلح(في) و (على) في مثل هذا الموضع، تقول: أتيته في عهد سليمان وعلى عهده سواء. )) [3] ، وخرَّج الرازي المعنى على تقدير محذوف قائلا: ... (( والأقرب أن يكون المراد: واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان؛ لأنهم كانوا يقرؤون من كتب السحر ويقولون: إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان. ) ) [4] ، وكان ابن كثير قد ضمَّن الفعل (تتلوا) معنى (تكذب) وعدَّه أحسن وأولى [5] ، تقدير الرازي ليحافظ على المعنى الأصلي لـ (على) وهو هنا استعلاء مجازي بمعنى ارتفع عن الحقيقة وابتعد عنها، وكذا تضمين ابن كثير الفعل معنى (تكذب) ؛ لأنه يتعدى بـ (على) ، فعدِّي (تتلوا) بـ (على) ؛ لأنه أشرب معنى (تكذب) ، وفي الأحوال كلها فالمعنى المركزي له وجوده بقدر ما، أما معنى الظرفية؛ فكونهم يخوضون في هذا الحديث أصبح ظرفا مجازيا لهم.
تميز الاستعمال القرآني للحروف من غيره فقد يجعل من الحرف مقابلا لحرف آخر في مقابلات ثنائيَّة بيانيَّة يصعب التفريط بها، وقد يغفل عن أمثالها بعض البلغاء، من ذالك ما أشار إليه أبن الأثير (ت 638 هـ) في أثناء حديثه عن قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سبأ:24) ، إذ خالفت الآية الكريمة في وصف المهتدين بأنهم على الهدى، ومن كان ضالًا فهو في الضلال، فيقول: (( ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود لمخالفة حرفيّ الجر ها هنا، فإنه إنما خُولِفَ بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعلٍ على فرسٍ جوادٍ يركض به حيث شاء، وصاحب الباطل كأنه
(1) - ظ: الجنى الداني: 445، مغني اللبيب: 191،البرهان: 4\ 284، جواهر الأدب: 222، همع الهوامع:28، نظرية الحروف العاملة:199، تناوب حروف الجر في لغة القرآن: 100.
(2) - الجامع لأحكام القرآن: 13\ 260.
(3) - معاني القرآن: 1\ 63، وينظر معه: الكشاف: 1\ 301، الجامع لأحكام القرآن: 2\ 41،.
(4) - مفاتيح الغيب: 3\ 618.
(5) - ظ: تفسير ابن كثير:1\ 141.