فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 295

مُنغَمِسٌ في ظلامٍ منخفضٍ فيه لا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلما يراعى مثله في الكلام، وكثيرا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم أخاه أو يعاتب صديقه على كل أمر من الأمور، فيقول له: أنت على ضلالك القديم كما أعهدك، فيأتي بـ (على) في موضع (في) ، وإن كان هذا جائزا إلا أن استعمال (في) ههنا أولى. )) [1] ، هذه المقابلة الثنائيَّة في استعمال حرفي الجر كان لها أثرها الكبير في إيصال المعنى بدقَّة قد يصعب الوصول إلى مثلها عند تغيير تلك الحروف في مثل ذلك النص. ولا مجال هنا للقول بإمكانيَّة التناوب بين الحروف فكل من الحرفين استعمل ليدلَّ على معناه المركزي بدقَّة ووضوح.

هذه هي أشهر المعاني التي قيلت في (على) وهنالك غيرها، وقد قال المراديُّ في عقبها: (( وأكثر هذه المعاني إنما قال به الكوفيون، ومن وافقهم كالقتبيّ، والبصريون يؤولون ذلك. ) ) [2] ، وقال الإربليُّ: (( ومعنى الاستعلاء ملحوظ في جميع ذلك. ) ) [3] ، كلام هؤلاء العلماء يعزز من نظرية المعنى المركزي للحرف والمعاني الهامشية.

في نهاية هذا الفصل يمكن تلخيص ما تقدم بالقول: إن الفرضية التي طرحت في مستهلِّ هذا الفصل، قد دُعِّمت بعوامل كثيرة، منها أقوال علماءَ كانوا يستشعرون المعنى الحرفي المركزي، ومنها أدلَّة من صميم اللغة وطبيعتها تؤيِّدُ أن الحرف له معنىً مركزيٍّ، أمَّا ما يعتريه من دلالات أخرى فهي دلالات ينتجها النص كاملا، ويختصُّ الحرف بقسط منها، تلك هي المعاني الهامشية، وبعد كلِّ ما تقدم أعتقد أنَّه يحقُّ لي أن أطرح بتواضع واستسماح الفرضية السابقة بوصفها نظريَّة تعالج معاني الحروف بصورة مطردة في اللغة العربية الفصحى مقترحا لها اسم (نظرية الدلالة المركزية للحرف والدلالات الهامشية) ، ومجال البحث العلمي مفتوحٌ أمامَ الباحثين لنقاشها وتقويمها ودعمها وتهذيبها مما يساعد على تطوير فهم جديد للغتنا العربية المجيدة. وأعيد الآن ترتيب النظرية على النحو الآتي:

1.لكلِّ حرفٍ معنىً مركزيّ، هو المعنى الموضوع له الحرف أصلا، ويختلف المعنى المركزي لكل حرف عن المعاني المركزية للحروف الأخرى، حتى وإن كانت الحروف تشترك في وظيفة نحوية واحدة كحروف الجر أو حروف العطف، والمفروض أن ليس هنالك حرفان لهما معنى مركزي مشترك؛ إذ أصل الوضع والحكمة منه تقتضي ذلك.

2.هنالك عدد من المعاني الهامشية يستطيع أن يؤديها كل حرف، ويتمكن الحرف من تأدية هذه المعاني الهامشية من خلال النص، أما خارج النص فلا يتمكن الحرف إلاَّ من أداء معناه المركزي الذي هو معنى مُتَقوِّمٌ بالغير كما تبيَّن من الفصل الأول، وتختلف المعاني الهامشية تبعا للسياقات اللغوية الوارد فيها الحرف، وكلَّما كان الحرف كثير الاستعمال كثرت السياقات التي يرد فيها، وعليه تكثر احتماليَّة توليد معان جديدة لهذا الحرف، وقد رأينا أن الحروف كثيرة الاستعمال (مثل بعض حروف الجر أو بعض حروف العطف) ؛ ولذا كثرت المعاني الهامشية المرصودة فيها.

(1) - المثل السائر:2\ 240 - 241.

(2) - الجنى الداني: 447.

(3) - جواهر الأدب:223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت