ومنه أيضًا قول عنترة [1] :
(الوافر)
يَفيضُ عَطاؤُهُ مِن راحَتَيهِ ... فَما نَدري أَبَحرٌ أَم غَمامُ
وإذا ما وازنا استعمال المعنى المركزي لـ (أم) عند الشعراء، بالاستعمال القرآني له تتبيَّن لنا كثرةُ استعمال الشعراء للمعنى المركزي لهذا الحرف في أشعارهم، في حين قلَّ الاعتمادُ عليه في الاستعمال القرآني، بمقدار أقل من النصف بقليل عمَّا كان عليه عند شعراء المعلقات، وسأحاول تعليل هذا بعد قليل.
المعاني الهامشية لـ (أم) :
-1 - معنى التسوية:
أهم المعاني الهامشية التي يمكن رصدها في هذا الحرف إفادته معنى التسوية مع معناه المركزي، وقد ذكرت في الفصل الثاني أن النحاة كانوا يعدُّون (أم التسوية) جزءا من (أم المتصلة) ، وهذا النوع هو الذي تتقدم فيه همزة التسوية على (أم) ، ولقد وردت من هذا النوع ستة موارد في القرآن الكريم [2] ، بمعنى أن نسبة استعماله إلى مجموع الاستعمالات الكلية لـ (أم) في القرآن تكون (4.3%) ، ومن استعمالاتها القرآنية في هذا المعنى قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (البقرة:6) ، قال الزمخشريُّ: (( {الهمزة} و {أم} مجرّدتان لمعنى الاستواء وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسًا. قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك: اللهمّ اغفر لنا أيتها العصابة، يعني أنّ هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء. ومعنى الاستواء استواؤهما في علم المُستَفهِم عنهما لأنه قد عَلِمَ أنَّ أحد الأمرين كائنٌ، إمّا الإنذار وإمّا عدمه، ولكن لا بعينه، فكلاهما معلومٌ بعلمٍ غيرِ مُعَيَّنٍ. ) ) [3] ، لقد عدَّ الزمخشريُّ (الهمزة و أم) تدلان على معنى التسوية، في حين إن المفهوم من كلام سيبويه الذي استدلَّ به أن أسلوب الاستفهام هو الذي خرج إلى معنى مجازي، ومعنى التسوية مستفاد من كلمة (سواء) الموجودة داخل النص، ولكن الغرض من الاستفهام لم يكن حقيقيا؛ لذا خرج إلى معنى مجازي هو التسوية، وإذا كان الحرف فيه شيء من الإشارة إلى معنى التسوية فهو قدر من المعنى مضافٌ إلى معناه المركزي، وقد حمَّله له السياق كاملا، وليست كلمة (سواء) فقط، وهذا أولى من أن ينسب معنى التسوية تارة إلى أسلوب الاستفهام [4] ، وتارة أخرى إلى الحرف فقط.
ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} (الشعراء:136) ، وقال الرازي في شأن هذه الآية: (( أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده. فإن قيل: لو قال(أ وعظت أم لم تعظْ) كان أخصر والمعنى واحد، جوابه: ليس المعنى بواحد وبينهما فرق؛ لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلًا من أهله ومباشريه، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ. )) [5] الاستخفاف
(1) - أشعار عنترة العبسي:218.
(2) - ظ: البقرة: 6، الأعراف: 193، إبراهيم:21، الشعراء: 136، يس: 10، المنافقون: 6.
(3) - الكشاف: 1\ 150، وينظر معه الكتاب:2\ 232.
(4) - ظ: مجاز القرآن: 2\ 158، البرهان:2\ 336، الأشباه والنظائر:1\ 233، أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين:432.
(5) - مفاتيح الغيب: 24\ 522، وينظر معه: الجامع لأحام القرآن: 13\ 125.