والاستهزاء من المعاني المجازية التي قد يخرج إليها الاستفهام [1] ، وهذا الخروج إلى المجاز ليس إلاَّ ثمرة لتناسق مكونات النص كلها وتفاعلها، فقد وُظِّفَ معنى التسوية الذي خرج إليه أسلوب الاستفهام بحرفية المستعملين إلى إفادة معنى الاستخفاف والسخرية بوعظ أنبياء الله ورسله، والاستهانة بمقامهم، فضلا عن كلام الكافرين والمعاندين، معنى ذلك أن (أم) حرف استعمل في معناه المركزي في سياق خاصٍّ حملَّه قدرا يسيرا من الإشارة إلى معنى آخر ليتضافر مع مكونات النص الأخرى في بلورة المعنى المتكامل للآية الشريفة.
في دواوين أصحاب المعلقات موضع واحدٌ فقط من المواضع الستة والأربعين التي استعملت فيها (أم) أفادت فيه (أم) معنى التسوية بمساعدة السياق، وهذا يعني أنَّ نسبة ... (أم التسوية) إلى المجموع الكلي للاستعمالها عند الشعراء (2.1%) ، والبيت الذي جاءت فيه (أم) مع همزة التسوية هو قول زهير [2] :
(الطويل)
سَواءٌ عَلَيهِ أَيَّ حينٍ أَتَيتَهُ ... أَساعَةَ نَحسٍ تُتَّقى أَم بِأَسعُد
يشير زهير إلى أن ممدوحه متى ما تقدم عليه فهو كريم جواد لا يتطير من شيء، ولا يضنُّ بالمال ساعة النحس إذا ما تطير الناس، فالأوقات كلها مستوية عنده وليس منها ما يتقى في عُرفِه، فمعنى التسوية لم يُتوصل إليه بـ (أم) أصالة، بل (أم) أفادت معناها المركزي، وربَّما حملها السياق قدرا ما من الدلالة على معنى التسوية الذي خرج إليه أسلوب الاستفهام بحرفيه.
ولعلَّ بعض العلماء يفهم معنى التسوية من خلال وقوع الهمزة بعد كلمات أخرى غير (سواء) ، مثل (ليت شعري، ولا أدري، ولا أبالي) [3] ، لكن ابن هشام لم يرض منه هذا عندما وصف قول زهير [4] :
(الوافر)
وَما أَدري وَسَوفَ إِخالُ أَدري ... أَقَومٌ آلُ حِصنٍ أَم نِساءُ
بأنه لا يراد به التسوية، وعلَّق عليه قائلا: (( والذي غَلَّطَ ابن الشجري، حتى جعله من النوع الأول [أي الذي للتسوية] تَوهُّمُه أن معنى الاستفهام فيه غير مقصود البتة، لمنافاته لفعل الدراية. وجوابه أن معنى قولك:(علمت أزيد قائم؟) علمت جواب (أزيد قائم؟) ، وكذلك (ما علمت) . )) [5] ، ومقتضى كلامه أن الاستفهام مقصود على نحو الحقيقة، وأن فعل الدراية (أدري) كأنه دخل على مضمون الجملة العام، أي على جواب هذا الاستفهام، ولعل هذا الفهم يتلاءم مع ما استشعرته من كلام المفسرين عند مراجعتي لهم في قوله تعالى: {وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} (الأنبياء:109) ، وقوله تعالى: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ
(1) - ظ: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 446 - 447، وينظر مصادره.
(2) - شرح ديوان زهير: 232.
(3) - ظ: التبيان في إعراب القرآن: 1\ 15، الجنى الداني: 98.
(4) - شرح ديوان زهير: 73.
(5) - مغني اللبيب: 61،62.