فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 295

رَشَدًا (الجن:10) ، وقوله عزَّ من قائل: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} (الجن:25) ، فلم أجد من المفسرين من يصرح بأنَّ (أم) في الآيتين تفيد معنى التسوية [1] .

إن معنى التسوية الذي استعملت فيه (أم) كان قليلا جدا في دواوين شعراء المعلقات، وقد توسع فيه القرآن بمقدار ضعف ما كان عليه عند الشعراء ونصف.

-2 - معنى الإضراب:

استعملت (أم) المنقطعة التي تدلُّ على معنى هامشي (الإضراب) مع معناها المركزي (86) ستا وثمانين مرَّة في القران الكريم [2] . لتكون نسبتها المئوية إلى مجموع استعمالات (أم) القرآنية (62%) ، ومن أمثلة هذا الاستعمال قوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} (النمل:20) ، قال الزمخشريُّ عن (أم) في هذه الآية: (( هي المنقطعة: نَظَرَ إلى مكان الهدهد فلم يبصره، فقال: {مالي لا أرى} على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. ونحوه قولهم: إنها لإبل أم شاء. ) ) [3] ، معنى الإضراب لم يفهم هنا من (أم) مباشرة بل هي أدَّت معناها المركزي (الاستفهام المعطوف على كلام قبله) ، ولكن سياق الآية العام حمَّل الحرف معنى إضافيا هو (الإضراب) ، وهذا التخريج الذي بيَّنه الزمخشريُّ عمَّا دار في ذهن داود - عليه السلام - لم يأت به الحرف، بل فهمه المفسر من خلال تدبره النص، وفهمه للمعنى الكامل للآية الشريفة، فعندنا هنا استفهام معطوف على كلام متقدم، مع إرادة الإضراب عن معنى ما تقدم من كلام.

وإذا كانت أكثر الآيات التي تشتمل على (أم) المنقطعة أمكن أن تقدَّر (أم) فيها بـ (بل) والهمزة، فهنالك من الآيات ما يُسمَحُ فيه للمفسرين بتقدير (أم) فيها بـ (بل) فقط دون الهمزة، منها قوله تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (النور:50) ، قال أبو حيان: (( {أم} هنا منقطعة والتقدير: بل ارتابوا بل أيخافون، وهو استفهام توقيف وتوبيخ، ليقروا بأحد هذه الوجوه التي عليهم في الإقرار بها ما عليهم، وهذا التوقيف يستعمل في الأمور الظاهرة مما يوبخ به ويذم، أو مما يمدح به وهو بليغ جدًا، ... ، وقسَّم تعالى جهات صدودهم عن حكومته، فقال {أفي قلوبهم مرض} أي نفاق وعدم إخلاص {أم ارتابوا} أي عرضت لهم الريبة والشك في نبوته بعد أن كانوا مخلصين {أم يخافون} أي يعرض لهم الخوف من الحيف في الحكومة، فيكون ذلك ظلمًا لهم. ثم استدرك ببل أنهم {هم الظالمون} . ) ) [4] ، فـ (أم) الأولى قُدِّرَت بالإضراب فقط، والثانية به وبالهمزة. معنى الآية

(1) - ينظر في شأن هذه الآيات الثلاث: معاني القرآن (الفراء) :3\ 193، جامع البيان: 29\ 105، 115، إعراب القرآن: 3\ 522، 528، التبيان:10\ 150، الكشاف:2\ 586، 4\ 168،171، مجمع البيان:10\ 147، مفاتيح الغيب:22\ 196، 30\ 670،677، البحر المحيط: 10\ 292 - 295، الجامع لأحكام القرآن: 19\ 11،25.

(2) - ظ: البقرة:133، 140، 214، آل عمران:142، النساء:53، 54، 109، الأنعام:143، 144، الأعراف:195، التوبة:16، يونس:31، 35، 38، هود:13، 35، الرعد:16، 33، الإسراء:69، الكهف:9، مريم: 78، الأنبياء:21، 24، 43، المؤمنون: 68، 69، 70، 72، النور:50، الفرقان:44، النمل:20، 60، 61، 62، 63، 64، العنكبوت:4، الروم:35، السجدة:3، فاطر:40، ص:9، 10، 28، 63، الزمر:9، 43، الشورى:9، 21، 24، الزخرف:16،21، 79، 80، الجاثية:21، الأحقاف:4، 8، محمد: 24، 29، الطور:15، 30، 32، 33، 35، 36، 37، 38، 39، 40، 41، 42، 43، النجم:24، 36، القمر:43، 44، الملك:17،21، 22، القلم: 37، 39، 41، 46، 47.

(3) - الكشاف: 3\ 142، وينظر معه: جامع البيان: 19\ 89، تفسير أبي السعود: 6\ 278.

(4) - البحر المحيط: 8\ 60، وينظر معه تفسير أبي السعود: 6\ 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت