فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 295

العام الذي يفهم من تتبع القرائن الكاملة لسياق النص يدفع المفسرين إلى أن يقولوا: إن (أم) خلصت هنا للإضراب فقط، فتقدَّر بـ (بل) دون الهمزة، وهذا المعنى ما كانت (أم) لتؤديه خارج النص.

ومثلها أيضا قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} (النمل: 59 - 60) ، قيل في تفسيرها: إن (أم) في {أم ما يشركون} متصلة؛ لأنّ المعنى: أيهما خير. و (أم) في {أمَّن خلق؟} منقطعة بمعنى (بل) ؛ لأنه لما قال تعالى: آلله خير أم الآلهة؟ قال: بل من خلق السموات والأرض خير؟ تقريرًا لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء [1] ، فـ (أم) الثانية لابدَّ من أن تقدَّر بـ (بل) والهمزة؛ لأن المعنى يكتمل بهذا التقدير، وهو الذي قادنا إلى تقدير دلالة الحرف الدقيقة، والمعنى الذي أداه الحرف مَكَّنَه من إيصاله سياق النص العام. فهو معنى هامشي يؤديه بفضل السياق.

قد يتدافع المعنى المركزي والمعنى الهامشي في بعض الآيات [2] ، فيفهم بعض المفسرين من الحرف معناه المركزي فقط، ويضيف إليه آخرون معنى الإضراب فيفسرونها بأنها منقطعة، وذلك؛ لأن لكل مفسر رأيه وأدواته التي يستعين بها في تحليله للنص القرآني، منها قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} (يونس:59) ، قال الزمخشريُّ فيها: (( أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه. ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، وأم منقطعة بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرًا للافتراء. ) ) [3] ، من فهم معنى الإضراب من الحرف مع معناه المركزي جعله من باب التقرير، فجعل ما قبله استفهاما مجازيا، وأضرب عنه في استفهام مجازي آخر تقريرا لهم، وعليه تقدَّر (أم) بـ (بل والهمزة) . هذا التدافع في المعنى، وفَهمُ بعض المفسرين معنى الإضراب خلافا لآخرين يؤكد أن معنى الإضراب ما هو إلاَّ معنى مضاف إلى المعنى المركزي.

وأما في الشعر فإن استعمالات (أم) المنقطعة بلغت (17) سبعة عشر استعمالا فقط في مجموع الدواوين، وبذلك تكون نسبة استعمال (أم) المنقطعة إلى مجموع استعمالات الشعراء (38.6%) ، ومن أمثلته في دواوين شعراء المعلقات، قول امرئ القيس الذي تقدم في الفصل الثاني [4] ، ومثله قول طرفة [5] :

(الخفيف)

أَعَلَينا جُناحُ كِندَةَ أَن يَغـ ... (مـ) ... ـنَمَ غازِيهُمُ وَمِنّا الجَزاءُ

أَم عَلَينا جَرّى قُضاعَةَ أَم لَيـ ... (مـ) ... ـسَ عَلَينا مِمّا جَنوا أَنداءُ

فـ (أم) الأولى معادلة لهمزة التعيين، أما (أم) الثانية في البيت فهي المنقطعة بمعني (بل) فقط، ولا يمكننا هنا أن نقدر معها همزة أخرى؛ لأن المعنى لا يحتمل ذلك، فهو يريد أن ينفي عنهم جريرة الجرم الذي ارتكبه غيرهم، ولو قدرنا مع بل همزة لكان إقرارا منه بأنهم يتحملون جرم غيرهم.

(1) - ظ: الكشاف: 3\ 155، مفاتيح الغيب:24\ 563.

(2) - من هذه الآيات مثلا: البقرة: 108، 133، يونس: 59، الزمر: 9، الواقعة: 59، 64، 69، 72.

(3) - الكشاف: 2\ 242، وينظر معه: جوامع الجامع: 2\ 134، مفاتيح الغيب:17\ 271، الجامع لأحكام القرآن: 8\ 354.

(4) - ديوان امرئ القيس:154، شرح الأشعار الستة الجاهلية: 48.

(5) - ديوان الحارث بن حلزة: 13، وينظر في شرحه: شرح القصائد التسع المشهورات: 2\ 582، شرح المعلقات السبع:304، شرح القصائد العشر: 396 - 397.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت