(الموطئة) ؛ لأنها يتعقبها جواب القسم، كأنها توطئة لذكر الجواب، وليست جوابا للقسم. )) [1] ، ومع اختلاف التسمية، فهي تضفي على الجملة شحنة من التأكيد، ومثالها في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} (هود:9 - 10) ، قوله تعالى (( {ولئن} اللام لتوطئة القسم، والقسم محذوف وجوابه {ليقولن} ومثله {ولئن أذقنا} وجواب القسم {إنه ليؤوس} وسد القسم وجوابه مسد جواب الشرط. ) ) [2] ، وكان هذا الاستعمال معروفا في دواوين أصحاب المعلقات أيضًا [3] ، ومنه قول عنترة [4] :
(الكامل)
اِصبِر حُصَينُ لَئِن تَرَكتَ بِوَجهِهِ ... أَثَرًا فَإِنّي لا إِخالُكَ تَصبِرُ
لقد جعل عنترة الجواب في بيته للشرط مع تأخره عن القسم ولم يجعله للقسم كما في الآية القرآنية، وهذا ما يغلب على لغة الكثيرين، ولاسيما في العصر الحديث، في حين كانت الآية الكريمة قد جعلت الجواب للقسم وهو الأفصح.
إن سعة استعمال لـ (لًئِنْ) في الشعر الجاهلي لم تكن كما هي عليه في القرآن؛ فقد جاءت (21) مرَّة في الدواوين عشرة منها عند عنترة، لتبلغ نسبتها إلى مجموع (إن) الشرطية في الدواوين (6.6%) ، في حين جاءت (61) مرَّة في القرآن الكريم لتبلغ نسبتها إلى مجموع الشرطية في القرآن (10.7%) ، ومنه نستنتج أن القرآن الكريم توسع في اعتماد (لَئِنْ) بما فيها من قَسَمٍ محذوف، ومنه نلمح أيضا أن المخاطبين به كانوا في صراع عقائدي وحيرة فكرية، ولعل بعضهم كان في عناد دائم للحق الذي جاءهم، فكان البيان القرآني يَعمدُ إلى تأكيد الخطاب بالقسم.
ولعل كثرةَ استعمال أسلوب الشرط يرجع في بعض نواحيه إلى هذا السبب أيضا، فتبكيت المشركين والمعاندين وتقرير المتشككين كان يتم في جزء كبير منه عن طريق الشرط والتعجيز، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء:88) ، وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة:23) ، وهذا سبب ما نلحظه أيضًا من تكرار قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: من الآية 23) وقوله - عز وجل - أيضًا: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (البقرة: من الآية 91) ، عشرات المرات في القرآن، فهذا الشرط وأمثاله كان يراد به إثبات صدق الدعوة المحمدية، وبيان عجز المعاندين لها وتبكيتهم.
أمَّا في الشعر الجاهلي فأعتقد أنَّ سبب كثرة استعمال الشرط - وإن كان أقل من نصف مستواه في لغة الذكر الحكيم - يرجع في جزء كبير منه إلى ذلك الصراع الدائم بين الشاعر
(1) - شرح المفصل: 9\ 22، وينظر معه: الشرط في القرآن: 29.
(2) - التبيان في إعراب القرآن: 2\ 35.
(3) - ظ: ديوان طرفة بن العبد: 51، 159، ديوان طرفة (درية الخطيب) :65، 182، شرح ديوان زهير: 182 - 183، شرح ديوان لبيد: 167، 323، 361، 362.
(4) - ديوان عنترة (مولوي) : 327.