الجاهلي وبيئته، وما فيها من صعاب كبرى، وأسئلة وتناقضات يحاول الإجابة عنها، والتعايش معها، قال امرؤ القيس يصف سياسة الثأر في مسيرة حياتهم العامة [1] :
(المتقارب)
فَإِن تَدفُنوا الداءَ لا نُخفِهِ ... وَإِن تَبعَثوا الحَربَ لا نَقعُدِ
فَإِن تَقتُلونا نُقَتِّلُكُم ... وَإِن تَقصِدوا لِدَمٍ نَقصُد
فامرؤ القيس يصور لنا علاقة ثنائية متعادلة الطرفين بينه وبين خصومه، مبينا من خلالها أنهم لا يضيع عليهم حقهم، ولا يسكتون عن ثأرهم، ولا يجبنون مخافة القتل، ويعتمد في عقد هذه المعادلة على أسلوب الشرط مستعملا أشهر أدواته وأكثرها تمكنا من إيصال المعنى المطلوب.
أما طرفة فيقول واصفا فلسفته في الحياة معتمدا أيضًا على أسلوب الشرط في تقريره [2] :
(الطويل)
فَإِن تَبغِني في حَلقَةِ القَومِ تَلقَني ... وَإِن تَقتَنِصني في الحَوانيتِ تَصطَدِ
فَإِن كُنتَ لا تَسطيع دَفعَ مَنيَّتي ... فَدَعني أُبادِرها بِما مَلَكَت يَدي
كَريمٌ يُرَوّي نَفسَهُ في حَياتِهِ ... سَتَعلَمُ إِن مُتنا غَدًا أَيُّنا الصَدي
يشرح الشاعر سبب لهوه وعدم اكتراثه بالحياة بأن الإنسان لا محالة ميت، ولم يكن يؤمن بما بعد الموت من ثواب وعقاب، وهذا يستوجب أن يخوض غمار الحياة، فيقدم على ملاذِّها، ولا يهرب من منيته التي لا يملك أحدٌ لها دفعا، هذه الأفكار التي تصور فلسفة الشاعر في عيشه جعلها أيضًا في مقابلات ثنائية، وأفكار مرتبط بعضها ببعض، بل متوقف عليه، وكان خير ما يُمَكِنَهُ من صياغة أفكاره بهذه الطريقة أسلوبُ الشرطِ.
ولعل ما يؤيد التعليل المذكور آنفا لكثرة استعمال الشرط في القرآن الكريم، دخول القسم عليه في (لئن) من جهة، ومن جهة أخرى زيادة (ما) على (إن) الشرطية في بعض الحالات، قال ابن يعيش: (( زيدت ما على إن لتأكيد معنى الجزاء، ويدخل معها نون التوكيد وإن لم يكن الشرط من مواضعها ) ) [3] ، فما الدافع لهذا التأكيد إلاَّ كون المخاطب مُنِكرًا للحقائق أو مُتَنَكِرًَا لها، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} (الأنفال: من الآية 58) ، قال الفراء في هذه الآية: (( ولا تكاد العرب تدخل النون الشديدة ولا الخفيفة في الجزاء حتى يصلوها بـ(ما) ؛ فإذا وصلوها آثروا التنوين؛ وذلك أنهم وجدوا لـ (إمَّا) وهي جزاء شبيها بـ (إمَّا) من التخيير، فأحدثوا النون ليعلم بها تفرقة بينهما؛ ثم جعلوا أكثر جوابها بالفاء. )) [4] ، فلم يكف زيادة (ما) في تأكيد معنى الجزاء في نفس المخاطب حتى أُُدخل على الفعل نون التوكيد الثقيلة، وما هذا إلاَّ دليل على عمق الشك والصراع في أنفس المخاطبين.
(1) - ديوان امرئ القيس: 186.
(2) - ديوان طرفة بن العبد:24، 28، 30، ديوان طرفة (درية الخطيب) : 42، 45، 48، وينظر معه: شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: 186 - 187.
(3) - شرح المفصل: 9\ 5.
(4) - معاني القرآن: 1\ 414.