ويبدو أن ابن طاهر (ت بعد 580 هـ) كان مخالفا للعلماء إذ يرى أنَّ (أنْ) الداخلة على الماضي والأمر قسم آخر غير الناصبة للفعل المضارع، وقد ردَّ عليه ابن هشام شبهته هذه، في حين صرح المراديُّ بعدم صحة هذا الرأي [1] .
إن استعمال (أن) المصدرية بنسبة عالية جدا في القرآن الكريم أستطيع تفسيره على النحو الآتي: (أن+الفعل) يساوي مصدرا، والمصدر اسمٌ يمكن أن يكون خبرا لمبتدأ أو فاعلا لفعل أو مفعولا من المفاعيل، أي يوصف به و يخبر به، فلماذا استعمله القرآن بدل الاسم الصريح أو المصدر الصريح؟ قرر البلاغيون وأصحاب المعاني أن الاسم يدل على الثبوت والفعل يدل على التجدد والحدوث والانتقال [2] ، من هنا فالقران كان يريد أن يخبر ويصف بما يدل على التجدد والانتقال والحدوث وهذا الفهم يتفق تماما مع أشرت إليه في الفصل الثاني من إنَّ بعض المحدثين [3] يرى أنَّ الغاية من استعمال (أنْ) أنْ تكون واسطة لوضع الجملة موضع المفرد فنصف بالجملة الفعلية التي تدل على التجدد والحدوث الأسماء و (أنْ) هي الرابط بين الموصوف والوصف. أي قد يُطلبُ تغير الوضع الساكن الذي كان عليه المجتمع، أو قد يُخبر عن تغيرات وانتقالات كانت دائمة في حال المتلقي قبل نزول القرآن، والقرآن أوجد لهذا التنقل غير المرغوب فيه حالة من السكون والطمأنينة، تدفع الإنسان إلى الاستقرار والعيش في حياة مدنية - ومن هذا تحريم الهجرة بعد الاستقرار- وتخليص (أن) الفعل للمستقبل يدل على أنه يشير إلى أن التغيير واقع في المستقبل؛ نتيجة التطبيق لما جاء به القرآن. إذن وصف الواقع المتغير والمتنقل الذي كان عليه العرب قبل نزول القرآن، ومطالبة المتلقي بالتغيير والتجديد بما ينقل المجتمع نحو تغير كبير كانا عاملين كبيرين في الاعتماد على (أن+ الفعل) لتكوين مصادر يخبر بها عن الأسماء، أو يوصف بها في لغة الذكر الحكيم.
أما نسبته المرتفعة عند شعراء المعلقات فيرجع أكثرها إلى وصف الحياة التي كانت سائدة وهي حياة بداوة قائمة على الترحال والانتقال، ولقد كثر الوصف لجزئيات هذه الحياة في قصائد الجاهليين، أما مطالبة القبيلة والمتلقي بالتغيير، فلم يكن همَّا ذا أثر يدفع الشاعر لنظم قصائده، بل هو همٌّ ثانوي، فالسبب الرئيس في كثرة استعمال الشعراء لـ (أن) المصدرية هو ذلك الوصف لواقع حياتهم.
المعنى الثاني: (أنْ) المخففة من الثقيلة
(أن) المخففة ثلاثية الأصل، ومعناها المركزي باق على ما كان عليه في الحرف الثلاثي، فإن كان معناها التوكيد كما يراه اغلب النحاة فهي هنا تفيده [4] ، وإن كانت (أنَّ) أداة وصل وواسطة تعبير تستعمل (( لتصنع من الجملة التي لم تكن - في تركيبها وهيئتها - لتكون مبتدأ، أو فاعلا، أو مضافا إليه، مثلا، جملة تقع موقع المبتدأ والفاعل، والمضاف إليه. ) ) [5] ، وهذا ما أميل إليه إنها باقية في هذا المعنى، ويأتي هذا المعنى في الدرجة الثانية في استعمال هذا الحرف، وقد وردت في دواوين شعراء المعلقات (18) مرَّة، لتكون نسبة استعمال هذا النوع عند الشعراء إلى الأنواع الأخرى من هذا الحرف (13%) ، في حين تكون
(1) - ظ: مغني اللبيب:34 - 44، الجنى الداني:236.
(2) - ظ: دلائل الإعجاز: 132 - 138، مختصر المعاني: 87.
(3) - ظ: في النحو العربي نقد وتوجيه: 315 - 316، في النحو العربي قواعد وتطبيق:42 - 43.
(4) - ظ: المفصل في صنعة الإعراب:293.
(5) - في النحو العربي نقد وتوجيه: 317 - 318.