كُلُّ اِمرِئٍ فيما أَلَمَّ بِهِ ... يَومًا يَبينُ مِنَ الغِنى فُقُرُه
أما المعاني الهامشية التي استعملت مع (في) فقد تعددت حتى وصلت إلى عشرة معان، وقد تحدثت عنها آنفا، وكانت أغلب الشواهد المستعملة لإثبات هذه المعاني شواهد قرآنية، ولا يعني هذا أن تلك المعاني لم تكن معروفة كلها عند الشعراء، فقد استشهدوا مثلا لمعنى المصاحبة ببيت لامرئ القيس المذكور آنفا، وهو قوله [1] :
(الطويل)
أَلا عِم صَباحًا أَيُّها الطَلَلُ البالي ... وَهَل يَعِمَن مَن كانَ في العُصُرِ الخالي
وَهَل يَعِمَن مَن كانَ أَحدَثُ عَهدِهِ ... ثَلاثينَ شَهرًا في ثَلاثَةِ أَحوال
لكني لا أراه كذالك كما ذكرت آنفا، ولو استشهدوا بهذا البيت للحارث لكان أنسب للمعنى، إذ يقول [2] :
(الخفيف)
وَاِعلَموا أَنَّنا وَإِيّاكُم في ... ما اِشتَرَطنا يَومَ اِختَلَفنا سَواءُ
يحمل (في) هنا مع دلالته المركزية معنى المصاحبة الهامشي، ودلالته عليه بيِّنة، وكذا يحمل على معنى المصاحبة قول زهير [3] :
(المتقارب)
إِذا أَدلَجوا لِحِوالِ الغِوا ... (م) ... رِ لَم تُلفِ في القَومِ نِكسًا ضَئيلا
يشير الشاعر إلى أن القوم إذا ساروا من أوَّل الليل في غارة لهم لم تجد مصاحبا للقوم نكسا أو ضئيلا، ولو استعمل الشاعر (مع) لفوَّت جزءا من المعنى وهو الظرفية التي جاءت بها (في) ومعها معنى المصاحبة. مثل هذه الاستعمالات دليل على معرفة شعراء المعلقات به.
ومن المعاني الهامشية لـ (في) معنى التعليل والسببية ومثاله من أشعارهم قول طرفة [4] :
(الرمل)
نَحنُ في المَشتاةِ نَدعو الجَفَلى ... لا تَرى الآدِبَ فينا يَنتَقِر
يفخر الشاعر بأنهم وقت الشتاء والبرد وبسببه يدعون الجَفْلَى أي الدعوة العامة، وآدبهم حينما يدعو إلى طعامه لا ينتقر، أي لا يخص أفرادا بعينهم في دعوته، فالمشتاة هي الظرف وهي السبب في الدعوة. إذ في الشتاء يحل القحط بالناس وقسم منهم تشتد به الحاجة، لكن قومه لا يضر بهم الشتاء، بل يدعون الدعوة العامة، بسبب ما يصيب بعض الناس من القحط والجوع. نعم معنى الظرفية هنا أكثر بروزا وظهورا من المعنى الهامشي، حتى يكاد يغلب على معنى البيت، ومع هذا تبقى للسببية مساحة في معنى البيت؛ إذ القحط والمشتاة سبب الدعوة للطعام.
(1) - ديوان امرئ القيس: 27، وينظر الفصل الثاني: 96.
(2) - ديوان الحارث بن حلزة: 13.
(3) - شرح ديوان زهير: 196.
(4) - ديوان طرفة بن العبد: 60، ديوان طرفة (درية الخطيب) : 74.