وهذا ما قصده هنري سويت حينما تبنى مصطلح (كلمات كاملة Full words) و مصطلح (أدوات Form-words) للتعبير عن نوعين من الكلمات في اللغات، فالطائفة الأولى تمثل كلمات لها مضمون أغنى وأكثر تحديدا من الطائفة الثانية (الأدوات) التي هي ليست إلاَّ حالات وسطى بين (الكلمات الكاملة) و (العناصر النحوية) ، ويقول ستيفن أولمان: (( ليست هنالك حدود دقيقة بين النوعين. ) ) [1] ، فعلماء الغرب المحدثون يجدون قدرًا من الصعوبة في تحديد أقسام الكلم بمقدار ما كان اللغويون العرب يجدونه عند تحديد تلك الأقسام وتسويرها بأسوارٍ لا يمكن تجاوزها، يقول فندريس: (( تبلغ الصعوبة في تصنيف أجزاء الكلم حدًَّا يعوقنا حتى الآن عن الوصول إلى تصنيف مرضٍ. ) ) [2] ، لكن اختلاف النظرة الشخصية، واختلاف الطاقات التعبيرية، واختلاف مناهج الدرس النحوي بين التعليمية والوصفية، كل ذلك جعل قسما من العلماء ينظر في أسوار تلك الأقسام وحدودها، وآخر ينظر إلى وظيفتها ودورها.
4 -الحروف والأدوات:
لم يستعمل النحاة القدماء لفظة الأداة إلاَّ للدلالة على معناها اللغوي، وهو الآلة التي تقيم حرفة صاحب الحرفة، وأداة الحرب سلاحها [3] ، ولعلَّ أهم ما نستطيع رصده من استعمالات القدماء لهذه اللفظة، قول الخليل (ت 180 هـ) : (( وكلُّ حرفٍ أداةٌ إذا جعلت فيه ألفًا ولامًا صار اسمًا قوي وثقل. ) ) [4] ، يعني أن كل حرف هو أداة وآلة للربط، ويقول عن كل من: (إلى) و (في) : (( حرف من حروف الصفات. ) ) [5] ، فهو يستعمل حرف لتدلَّ على المعنى الاصطلاحي للقسم الثالث من أقسام الكلم، أما لفظة (الأداة) فكان يستعملها لتدل على معناها اللغوي العام. فهي بعدُ لم تتجذر مصطلحًا نحويًا، وإذا أردنا أن نتوسع أمكن القول: إن الخليل (( يستعمل الحرف في حديثه عن حروف المعاني والأسماء، ويستعمل الأداة بمعنى الآلة أو الرابطة. ) ) [6] ، وهذا يعني أن بينهما عموما وخصوصا من وجه.
أما سيبويه فلم نره قط يستعمل لفظة الأداة، وإنما كان يستعمل لفظة الحرف للدلالة على القسم الثالث من أقسام الكلام العربي. ووردت لفظة الأداة عند المبرد لكنها كانت تعني الآلة التي لها قوة العمل في غيرها من المفردات سواء أكانت حروفا أم أفعالا، فهي العوامل. يقول المبرد (ت 286 هـ) : (( إعلم أن الأفعال أدوات للأسماء تعمل فيها كما تعمل الحروف الناصبة والجارَّة، وإن كانت الأفعال أقوى في ذلك. ) ) [7] ، ويقول في موضع آخر عن (إن) : (( أصل أدوات الشرط، والهمزة أصل الاستفهام، وإلاَّ أحق بالاستثناء والواو أحق بالعطف. ) ) [8] ، فمثلما أطلق على الأفعال (أدوات) وقاس عملها على عمل الحروف العاملة في الأفعال أو الأسماء، يقول عن الحروف (أدوات الشرط) ، ويقصد بها أن لها قوة العمل في غيرها، فالأدوات هي العوامل.
فالنحاة الأوائل كانوا يضعون مصطلح (الحروف) قسيمًا للأسماء والأفعال، ولم يستعمل أحد منهم مصطلح (الأداة) بدلا منه، وإنما كان استعمال هذه المفردة مساندًا لمفردة الحرف أو مخصصًا لها و (( الذي يدفعنا إلى القول: [إن البصريين استعملوا الأداة بمعنى الآلة وليس بمعناه الاصطلاحي] هو أننا لم نجد نصًَّا صريحا تلقب فيه حروف المعاني بالأدوات،
(1) - نفسه:56، وينظر معه: اللغة:155، اللغة والمعنى والسياق: 60 - 65.
(2) - اللغة:155.
(3) - ظ: العين: مادة (أدو) : 8\ 98، لسان العرب: مادة (أدا) : 14\ 25.
(4) - العين: مادة (هل) 3\ 352.
(5) - العين: مادة (إلى) و (في) : 8\ 256، 409.
(6) - حروف المعاني في معجم لسان العرب: 25.
(7) - المقتضب: 4\ 80.
(8) - نفسه:4\ 16.