كأن يقال (نعم) أداة، أو (أن) أداة، ... والدليل الآخر استعمال المبرد لمصطلح (الآلة) صراحةً للدلالة على بعض المفردات. )) [1] .
ومال الكوفيون شيئًا فشيئًًا إلى إبدال لفظة الأداة للدلالة على القسم الثالث من أقسام الكلام، وأصبحوا يتبنون هذا المصطلح [2] . فالفراء (ت 207 هـ) يستعمل مصطلح الأداة ليدل على حروف المعاني صراحة وذلك في معرض كلامه عن تفسير قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (الكهف:6) ، قائلًا: (((أنْ) في موضع نصب لأنها كانت أداةً بمنزلة (إذ) فهي في موضع نصب. )) [3] ، ولكنا لا نعدم استعمال الفراء لمصطلح الحروف أيضًا [4] .
وعلى هذا يكون الفراء أوَّل من استعمل الأداة بمعناها الاصطلاحي، إذ جعله الفراء في مقابل ما يسميه البصريون (حروف المعاني) [5] . ولما كان المصطلح في مرحلة المخاض ولم يستقر بَعْدُ، فليس غريبًا أن نرى ثعلبًا (ت 291 هـ) يستعمل مصطلح (الأداة) بمعنى (الإضافة) [6] .
وبعد مدَّة من الزمن تسنى لأبي بكر بن الأنباري (ت 328 هـ) أن يستبدل بمصطلح (الحرف) مصطلح (الأداة) ، وذلك عندما قسَّم الكلم على (( اسم وفعل وأداة ) ) [7] ، ويبدو أنه قدم على هذه الخطوة على استحياءٍ، إذ لم يترك مصطلح الحرف البتَّة، بل كان يورده على قلَّة [8] . وبذا يكون أوَّل كوفيٍّ يضع مصطلح الأداة بصورته النهائية بدلًا من الحرف في تقسيم الكلم، إن لم يكن أوَّل النحويين عامةً.
وبعد هذا أصبحنا نجد من يعرِّف الأداة بتعريف الحرف الشهير، يقول أبو عبد الله الطوال (ت 243 هـ) : (( الأداة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل. ) ) [9] ، ويقول أبو نصرٍ الفارابي (ت 339 هـ) : (( الأداة لفظٌ يدلّ على معنى مفرد لا يمكن أن يفهم بنفسه وحده دون أن يقرن باسم أو كلمة. ) ) [10] .
إن عدم استقرار مصطلح (الأداة) واستقلاله عن مصطلح (الحرف) جعل ثلَّة من العلماء يستعملون المصطلحين في كتاباتهم ومؤلفاتهم، فابن يعيش (ت 643 هـ) ، وابن مالك (ت 672 هـ) ، وابن الناظم (ت 686 هـ) ، وابن عصفور (ت 669 هـ) ، وغيرهم يستعملون مصطلح الأدوات في دلالته العامة [11] ، إذ يطلق في أبواب مثل الاستثناء، والنفي، والاستفهام، وهذه الأبواب تتضمن ألفاظًا لم تثبت اسميتها عند النحاة جميعا، وفيها أيضًا أسماءٌ أو أفعالٌ، أما مصطلح الحروف فكان يطلق في الأبواب التي تشتمل على حروفٍ فقط، ولا يشوبها شيءٌ، مثل أبواب (حروف الجر) و (حروف العطف) و (الحروف الناصبة للفعل) ، فمصطلح الأداة أخذ
(1) - حروف المعاني في معجم لسان العرب:27.
(2) - ظ: مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو:242، المصطلح النحوي: نشأته وتطوره:174.
(3) - معاني القرآن:1\ 58، ولمزيد من الأمثلة ينظر: 1\ 52،467، 2\ 13، 236، 3\ 84.
(4) - ظ: معاني القرآن:1\ 268.
(5) - ظ: المصطلح النحوي نشأته وتطوره: 174.
(6) - ظ: مجالس ثعلب:1\ 158، 2\ 590، حروف المعاني في معجم لسان العرب:28.
(7) - ظ: المذكر والمؤنث:166 - 167،449.
(8) - ظ: المذكر والمؤنث:449، 674.
(9) - الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل:76.
(10) - نفسه.
(11) - ظ: شرح المفصل:8\ 2 - 3،42-43، شرح ألفية ابن مالك:128،273،284،286،المقرب:1\ 175، 193،229،274، 292،294،297.