فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 295

لم تخف أنواع المعاني التي تتضمنها الكلمات على العلماء العرب (( فإذا انتقلنا إلى ابن جني وجدناه يتناول معظم هذه المعاني دون تبويب لها أو ذكر لتلك المصطلحات ) ) [1] ، ولا يعيب عدم ذكر المصطلحات إثبات الحقائق العلمية والتنبه لها؛ لأن المصطلحات لا تستقر إلاَّ بعد حين، ويسرد لنا ياقوت بعض إشارات ابن جني إلى هذه الأنواع من المعاني بعبارات صريحة تدلُّ على وعي علمي بهذه الأنواع [2] .

ثالثًا: نظريات دراسة المعنى ومناهجه.

لعلَّ أيسر تعريف يمكن أن يوضع للمعنى أنه: علاقة متبادلة بين اللفظ (وهو الصيغة الخارجية للكلمة) والمدلول (الفكرة التي يستدعيها اللفظ) ، علاقة تمكن كل واحد منهما من استدعاء الآخر [3] ، ليس هذا التعريف متفقا عليه، فقد دُرسَ المعنى في ضوءِ مناهجَ متعددةٍ، ومدارسَ مختلفةٍ حالُه حال كثير من الحقائق العلمية، ونتجَ عن اختلاف تلك المناهج والنظريات فرق في النتائج التي وصل إليها الدارسون، واختلافٍ في وجهة النظر إلى (المعنى) بصورةٍ عامةٍ، وتبع هذا اختلافات كبيرة في تعريف (المعنى) حتى تجاوزت تعريفاته عشرين تعريفا [4] ، لتعكس بذالك اتجاهات متعددة في النظر إليه: لغويةٍ وفلسفيةٍ وأخلاقيةٍ واجتماعيةٍ وجماليةٍ، ويأتي هذا التنوع تلبية لحاجات الدارسين، ومحاولة للإجابة عن أسئلتهم النابعة من حقول العلم المتنوعة، وسأشير إلى أهم النظريات والمناهج التي دُرسَ المعنى في ضوئها وأفصِّل القول في واحدة منها تبعا لحاجة الدراسة:

1 -النظرية الإشارية (Referential theory) [5] : أوَّل من تبنى هذه النظرية من الأوربيين وطورها الأستاذان (أوجدن وريتشارد) في كتابهما (the Meaning of Meaning) وخير ما يوضح نظريتهما المثلث المشهور الذي وضعاه لتوضيح العلاقة بين (الرمز والفكرة والشيء الخارجي) وبيَّنا أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الرمز (الكلمة) والشيء الخارجي الذي يعبِّر عنه، وتبنيا إشارات دي سوسير للطبيعة المزدوجة للكلمة وتمثيله لها بوجهي الورقة، وأصبحت الكلمة عندهما تحوي جزأين: صيغة مرتبطة بوظيفتها الرمزية، ومحتوى مرتبط بالفكرة أو المرجع. لقد أشار ابن جني بوضوح إلى أسس هذه النظرية، فليس هنالك علاقة طبيعيَّة أو صلة محتَّمة بين اللفظ ومدلوله، وذهب إلى فساد رأي من يرى أن الاسم هو المسمى [6] .

2 -النظرية التصوريَّة (Ideational theory) [7] : وتبناها الفيلسوف الإنجليزي ... John Locke الذي يرى: إن استعمال الكلمات يجب أن يُكوِّن الإشارة الحساسة إلى الأفكار، والأفكار التي تمثلها تعدُّ مغزاها المباشر الخاص. واللغة على وفق هذه النظرية وسيلة أو أداة لتوصيل الأفكار، وتمثيلٌٌ خارجيٌّ ومعنويٌّ لحالة داخلية فالأفكار لها وجود مستقل ووظيفة اللغة مستقلة عن الأفكار ومعبِّرة عنها.

(1) - الدرس الدلالي في خصائص ابن جني: 23.

(2) - ظ: المصدر نفسه: 22 - 25.

(3) - ظ: دور الكلمة في اللغة:72 - 73، تطور البحث الدلالي: 20.

(4) - ظ: دور الكلمة في اللغة: 69 - 75، علم الدلالة: أحمد مختار: 23 - 24، النحو والدلالة: 35.

(5) - ظ: علم الدلالة: أحمد مختار: 54 - 57، دور الكلمة في اللغة: 70 - 72، اللغة والمعنى والسياق: 32.

(6) - لمتابعة الموضوع ينظر: الدرس الدلالي في خصائص ابن جني: 5 - 8، وينظر مصادره.

(7) - ظ: اللغة والمعنى والسياق: 32، علم الدلالة: أحمد مختار:57 - 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت