الناسخة الماضية، نحو قوله - عز وجل: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} (البقرة: من الآية 143) ، وأقل منه دخولها على الأفعال الناسخة المضارعة، نحو الآية الكريمة: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (القلم:51) ، وعند دخولها على الجملة الفعلية فإنها تهمل وجوبا، كما يقتضيه شرط الاختصاص، وأما عند دخولها على الجملة الاسمية فقال بعض البصريين بجواز إعمالها في قلَّة من القول، مستدلين ببعض القراءات، لكنهم يقررون أن الأكثر إهمالها [1] . وحيث وُجِدَتْ (إنْ) وبعدها اللام المفتوحة فيُحْكَم عليها بأن أصلها التشديد [2] .
فـ (إنْ) الأولى الشرطية غير الثانية المخففة من الثقيلة، ومعنى تلك غير معنى هذه، ولا يعني هذا تعدد المعنى لحرف واحد، بل لدينا صورة واحدة لحرفين مختلفين، إن الالتفات إلى هذا الفارق يوضح لنا بجلاء سبب اختلاف المعنى في هذه الصور، فهذا الاختلاف ناتج عن اختلاف الكلمات واختلاف المعنى الموضوعة له أصلا كل واحدة من تلك الكلمات، ونتيجة لتغيير معين أصبحت صورة هذه الكلمة تشبه صورة كلمة أخرى لها معنى آخر.
3.ولدينا صورة ثالثة من (إنْ) وهي: إن النافية حرفٌ ثنائي الوضع، إذ تكون (إنْ) حرفا للنفي مثل (ما ولا و ليس) ، يدخل على الجملة الاسمية والفعلية، وهي غير عاملة هنا؛ لأنها ليست مختصة [3] ، فمن دخولها على الاسمية قوله تعالى: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} (المجادلة: من الآية 2) ، وقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} (النساء: من الآية 159) ، وهذا على حذف المبتدأ وإبقاء صفته، وتقديره: وما أحدٌ من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به، ومن دخولها على الجملة الفعلية، قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا} (النساء:117) ، وكذلك: {إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} (الكهف: من الآية 5) . وكل (إنْ) بعدها (إلاَّ) فهي نافية، وليس شرطا أن تأتي (إلاَّ) بعد كل (إنْ) نافية؛ إذ قد تأتي (إنْ) النافية وليس بعدها (إلاَّ) [4] ، نحو قوله تعالى: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} (يونس: من الآية 68) ، وكذلك قوله عزَّ مِنْ قائل: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (الأنبياء:111) . إن استعمال (إنْ) النافية جاء في مرحلة لاحقة من استعمالها شرطية، وسيتبين ذلك في الفصل الثالث مفصلا. و (إنْ) النافية ثنائية، لكنها غير (إنْ) الشرطية الثنائية أيضًا، وغير (إنْ) المخففة من الثقيلة، وخصائص كل واحد تختلف عن الأخرى.
ذكرت المصادر أن من معاني (إنْ) أنها تأتي زائدة، وهي ضربان:
(1) - ظ: تاج اللغة وصحاح العربية: مادة (أنن) : 5\ 2073، رصف المباني: 108،الجنى الداني: 228، مغني اللبيب: 36.
(2) - ظ: البغداديات: 176، 180، مغني اللبيب: 37.
(3) - ظ: حروف المعاني: 57، معاني الحروف: 75، تاج اللغة وصحاح العربية: مادة (أنن) : 5\ 2074، شرح المفصل: 8\ 112 - 113، رصف المباني: 107، الجنى الداني: 229، لسان العرب: مادة (أنن) : 13\ 35.
(4) - ظ: معاني الحروف: 75، مغني اللبيب: 34، جواهر الأدب: 117.