ذلك في أواخر المائة الثانية، فلما رآه الأئمة أنكروه. فقال الشافعي: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير، يصدون به الناس عن القرآن، وقال يزيد ابن هارون: ما يغبر إلا فاسق ومتى كان التغبير. وسئل عنه أحمد فقال: أكرهه هو محدث، قيل: أتجلس معهم، قال: لا. وكذلك سائر أئمة الدين كرهوه وأكابر الشيوخ الصالحين لم يحضروه، فلم يحضره إبراهيم بن أدهم ولا الفضيل ابن عياض ولا معروف الكرخي ولا أبو سليمان الداراني ولا أحمد بن أبي الحواري ولا السري السقطي وأمثالهم والذين حضروه من الشيوخ من المحمودين تركوه في آخر أمرهم، وأعيان المشايخ عابوا أهله كما ذكر ذلك الشيخ عبد القادر والشيخ أبو البيان وغيرهما من الشيوخ. وما ذكره الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه من إحداث الزنادقة من كلام إمام خبير بأصول الإسلام، فإن هذا السماع لم يرغب فيه ويدع إليه في الأصل إلا من هو متهم بالزندقة كابن الراوندي والفارابي وابن سينا وأمثالهم، كما ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في مسألة السماع عن ابن الراوندي أنه قال: اختلف الفقهاء في السماع فأباحه قوم وكرهه قوم، وأنا أوجبه أو قال آمر به فخالف إجماع العلماء في الأمر به. وأبو نصر الفارابي كان بارعا في الغناء الذي يسمونه الموسيقا، وله فيه طريقة معروفة عند أهل صناعة الغناء وحكايته مع ابن حمدان مشهورة، لما ضرب فأبكاهم ثم أضحكهم ثم نومهم ثم خرج، وابن سينا ذكر في إشاراته في مقامات العارفين من الترغيب فيه وفي عشق الصور ما يناسب طريقة أسلافه الصابئين المشركين الذين كانوا يعبدون الكواكب والأصنام كأرسطو وشيعته من اليونان ومن اتبعه كبرقلس وثامسطيوس والإسكندر الإفروديسي، وكان أرسطو وزير الاسكندر بن فيلفوس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود والنصارى، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة.