ولقد شرف الله الإسلام، وأوضح حجته وأقام برهانه، وقطع عذر الخلائق بحججه الواضحة وأدلته القاطعة الدامغة، وما من ينصر دين الإسلام بمذاهب الفلاسفة وآراء المنطقية إلا كمن يغسل الماء بالبول، ثم يسوق الكلام سوقا يرعد فيه ويبرق ويمني، ويشوق حتى إذا تشوفت له النفوس قال: هذا من علم المعاملة، وما وراءه من علم المكاشفة، ولا يجوز تسطير في الكتاب أو يقول: وهذا من سر القدر الذي نهينا عن إفشائه، وهذا فعل الباطنية وأهل الدغل والدخل في دين الله، يستغل الموجود ويكلف النفوس بالمفقود، فهو تشويش لعقائد القلوب وتوهين لما عليه كلمة الجماعة، فإن كان الرجل يعتقد ما سطره في كتابه لم يبعد تكفيره، وإن كان لا يعتقده فما أقرب تضليله.
وأما ما ذكرت من إحراق الكتاب بالنار، فإنه إن ترك انتشر بين ظهور الخلق، ومن لا معرفة له بسمومه القاتلة، وخيف عليهم أن يعتقدوا صحة ما سطر فيه مما هو ضلال فيحرق قياسا على ما أحرقته الصحابة رضي الله عنهم من صحائف المصحف التي كان فيها اختلاف ألفاظ ونقص آي، ألا ترى أنهم لو لم يحرقوا تلك الصحائف، وانتشرت في الخلق لحفظ كل إنسان ما وقع منها إليه، وأوشك أن يختلفوا فيتقاتلوا ويتقاطعوا، وإني لعلى عزم أن أنفرد له. فأستخرج جميع هفواته، وأوضح سقطاته، وأبينها حرفا حرفا، وفي دونه من الكتب غنية وكفاية لإخواننا المسلمين وطبقات الصالحين.
ومعظم من وقع في عشق هذا الكتاب رجال صالحون لا معرفة لهم بما يلزم العقل وأصول الديانات، ولا يفهمون الإلهيات، ولا يعلمون حقائق الصفات، ولا يخبرون شياطين الإنس الذين انتدبوا للطعن في الدين، وتوهين عمود الإسلام وتعطيل الصانع وإفساد المعجزات، فمن لم يكن عنده تمييز لهذه الأبواب من الذب عن دين الله تعالى، ونصرة شريعته لم ينبغ له أن يقفو ما ليس له به علم يمدح على غير علم ويذم على غير علم والسلام. [1]
"التعليق:"