فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 395

وأما عبادة ذوي الألباب فإنها لا تجاوز ذكر الله تعالى، والفكر فيه حبا لجماله وجلاله وسائر الأعمال تكون مؤكدات وروادف، وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح والمطعوم في الجنة، فإنهم لم يقصدوها، بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، يريدون وجهه فقط، وثواب الناس بقدر نياتهم، فلا جرم يتنعمون بالنظر إلى الكريم، ويسخرون ممن يلتفت إلى وجه الحور العين، كما يسخر المتنعم بالنظر إلى الحور العين ممن يتنعم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين، بل أشد، فإن التفاوت بين جمال حضرة الربوبية وجمال الحور العين أشد وأعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين، بل استعظام النفوس البهيمية الشهوانية لقضاء الوطر من مخالطة الحسان، وإعراضهم عن جمال وجه الله الكريم يضاهي استعظام الخنفساء لصاحبتها، وإلفها لها وإعراضها عن النظر إلى جمال وجوه النساء، فعمى أكثر القلوب عن إبصار جمال الله وجلاله يضاهي عمى الخنفساء عن إدراك جمال النساء بأنها لا تشعر به أصلا، ولا تلتفت إليه ولو كان لها عقل، وذكرن لها لاستحسنت عقل من يلتفت إليهن ولا يزالون مختلفين -كل حزب بما لديهم فرحون- ولذلك خلقهم.

حكي أن أحمد بن خضرويه رأى ربه عز وجل في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني الجنة إلا أبا يزيد فإنه يطلبني، ورأى أبو يزيد ربه في المنام فقال: يا رب، كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال إلي. رؤي الشبلي بعد موته في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: لم يطالبني على الدعاوى بالبرهان إلا على قول واحد، قلت يوما: أي خسارة أعظم من خسران الجنة، فقال: أي خسارة أعظم من خسران لقائي. [1]

"التعليق:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت