فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 395

وأبلغ من ذلك من يقول ليس مقصودنا إلا جمع النفس بأي شيء كان، حتى يقول لا فرق بين قولك: يا حي. وقولك يا جحش. وهذا مما قاله لي شخص منهم وأنكرت ذلك عليه ومقصودهم بذلك أن تجتمع النفس حتى يتنزل عليها الشيطان. ومنهم من يقول: إذا كان قصد وقاصد ومقصود فاجعل الجميع واحدا فيدخله في أول الأمر في وحدة الوجود. وأما أبو حامد وأمثاله ممن أمروا بهذه الطريقة فلم يكونوا يظنون أنها تفضي إلى الكفر -لكن ينبغي أن يعرف أن البدع بريد الكفر- ولكن أمروا المريد أن يفرغ قلبه من كل شيء حتى قد يأمروه أن يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ويقول: الله، الله. وهم يعتقدون أنه إذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب، بل قد يقولون: إنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء. ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء، وأبو حامد يكثر من مدح هذه الطريقة في (الإحياء) وغيره، كما أنه يبالغ في مدح الزهد، وهذا من بقايا الفلسفة عليه، فإن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله يزعمون أن كل ما يحصل في القلوب من العلم للأنبياء وغيرهم فإنما هو من العقل الفعال، ولهذا يقولون: النبوة مكتسبة، فإذا تفرغ صفى قلبه -عندهم- وفاض على قلبه من جنس ما فاض على الأنبياء، وعندهم أن موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم كلم من سماء عقله، لم يسمع الكلام من خارج فلهذا يقولون أنه يحصل لهم مثل ما حصل لموسى وأعظم مما حصل لموسى. و (أبو حامد) يقول: إنه سمع الخطاب كما سمعه موسى عليه السلام، وإن لم يقصد هو بالخطاب وهذا كله لنقص إيمانهم بالرسل وأنهم آمنوا ببعض ما جاءت به الرسل وكفروا ببعض، وهذا الذي قالوه باطل من وجوه:

أحدها: أن هذا الذي يسمونه (العقل الفعال) باطل لا حقيقة له كما قد بسط هذا في موضع آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت