فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 395

فهذا الصديق رضي الله عنه يعلنها صريحة في أول خطبة يخطبها على سادة المهاجرين والأنصار، ويبين لهم أن أعماله وأقواله أمران: أمر فيه صواب، فعليهم متابعته عليه، وأمر فيه خطأ فعليهم نصيحته وتقويمه، وهكذا كان كل الخلفاء بعده، بل كل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كل السلف الصالح فما منهم إلا مخطئ ومصيب، وحسبهم فخرا أن تعد أخطاؤهم، وما يزال الصحابة ومن بعدهم يرد بعضهم على بعض وينبه المصيب منهم المخطئ ويرجعه إلى الحق والصواب، ويشكر المخطئ للمصيب ذلك، وأجمع الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة على النهي عن تقليدهم، وما من أحد منهم إلا رويت عنه في ذلك أقوال، وللعلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة قيمة في هذا الموضوع: 'رفع الملام عن الأئمة الأعلام'. وللإمام ابن حزم بحث هام في كتابه 'إحكام الأحكام' نقتطف منه بعض الفوائد وإلا فالكتاب فيه إسهاب في الموضوع فهو جدير وحري بالقراءة.

قال أبو محمد: كيف وقد أغنانا الله تعالى عن قولهم في ذلك بما نص في كتابه من إبطال التقليد فمن ذلك قول الله عز وجل: مَثَلُ { الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ } [1] ثم قال الله تعالى على إثر هذه الآية: وَتِلْكَ { الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } . [2]

قال أبو محمد: فمن اتخذ رجلا إماما يعرض عليه قول ربه تعالى وقول نبيه عليه السلام فما وافق فيه قول ذلك الرجل قبله وما خالفه ترك قول ربه تعالى وقول نبيه صلى الله عليه وسلم وهو يقر أن هذا هو قول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، والتزم قول إمامه فقد اتخذ دون الله تعالى وليا ودخل في جملة الآية المذكورة. [3]

(1) العنكبوت الآية (41) .

(2) العنكبوت الآية (43) .

(3) الإحكام (6/123-124) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت