قال أبو حامد: وبترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة إلى أمور عقلية، روحانية ولذات عقلية إلى أن قال: وهؤلاء هم المسرفون في التأويل.
وحد الاقتصاد بين هذا وهذا دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هم عليه، ونظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فيه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه فأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع فلا يستقر له قدم.
قلت: هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر الرسول صلى الله عليه وسلم شيء من الأمور العلمية، بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة والنور والمكاشفة.
وهذان أصلان للإلحاد، فإن كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة وإلا دخل في الضلالات.
وأفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وأفضل من كان محدثا من هذه الأمة عمر. للحديث [1] ، وللحديث الآخر"إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه" [2] ومع هذا فالصديق أفضل منه، لأن الصديق إنما يأخذ من مشكاة الرسالة لا من مكاشفته ومخاطبته، وما جاء به الرسول معصوم لا يستقر فيه الخطأ، وأما ما يقع لأهل القلوب من جنس المخاطبة والمشاهدة ففيه صواب وخطأ، وإنما يفرق بين صوابه وخطئه، بنور النبوة، كما كان عمر يزن ما يرد عليه بالرسالة، فما وافق ذلك قبله، وما خالفه رده.
(1) سيأتي تخريجه (ص.57) .
(2) رواه أحمد (2/ 401) ، ابن أبي شيبة (12/ 25) ، ابن أبي عاصم (2/ 581/1250) ، البزار (3/ 174/2501 كشف الأستار) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وصححه ابن حبان (15/ 312 - 313/ 6889 الإحسان) وقال الهيثمي (9/ 66) :"رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح غير الجهم بن أبي الجهم وهو ثقة". وفي الباب عن جمع من الصحابة.