وكثير من السالكين طريق العبادة والإرادة والزهد والرياضة، الذين اشتبهت عليهم الأمور، وتعارضت عندهم الأذواق والمواجيد، يحسنون الظن بطريق أهل العلم والنظر والاستدلال، ظانين أنه ينكشف به لهم الحقائق. وحقيقة الأمر أنه لابد من الأمرين، فلابد من العلم والقصد، ولابد من العلم والعمل به. ومن عمل [1] بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم.
والعبد عليه واجبات في هذا وهذا، فلابد من أداء الواجبات، ولابد أن يكون كل منهما موافقا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن أقبل على طريقة النظر والعلم، من غير متابعة للسنة، ولا عمل بالعلم، كان ضالا في علمه، غاويا في عمله، ومن سلك طريق الإرادة والعبادة، والزهد والرياضة، من غير متابعة للسنة، ولا علم ينبني العمل عليه، كان ضالا غاويا، ومن كان معه علم صحيح مطابق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بلا عمل به كان غاويا، ومن كان معه عمل موافق للسنة بدون العلم المأمور به كان ضالا، فمن خرج عن موجب الكتاب والسنة من هؤلاء وهؤلاء كان ضالا، وإذا لم يعمل بعلمه، أو عمل بغير علم، كان ذاك فسادا ثانيا، والذين لم يعتصموا بالكتاب والسنة من أهل الأحوال والعبادات، والرياضات والمجاهدات، ضلالهم أعظم من ضلال من لم يعتصم بالكتاب والسنة من أهل الأقوال والعلم، وإن كان قد يكون في هؤلاء من الغي ما ليس فيهم، فإنهم يدخلون في أنواع من الخيالات الفاسدة، والأحوال الشيطانية المناسبة لطريقهم.
كما قال تعالى: هَلْ {أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) } . [2] والإنسان همَّام حارث، فمن لم يكن همه وعمله ما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كان همه وعمله مما لا يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
(1) * في الأصل: علم.
(2) الشعراء الآيتان (221 و 222) .