والأحوال نتائج الأعمال، فيكون ما يحصل لهم بحسب ذلك العمل وكثيرا ما تتخيل له أمور يظنها موجودة في الخارج ولا تكون إلا في نفسه، فيسمع خطابا يكون من الشيطان أو من نفسه، يظنه من الله تعالى، حتى إن أحدهم يظن أنه يرى الله بعينه، وأنه يسمع كلامه بأذنه من خارج، كما سمعه موسى بن عمران، ومنهم من يكون ما يراه شياطين وما يسمعه كلامهم، وهو يظنه من كرامات الأولياء، وهذا باب واسع بسطه موضع آخر.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام". [1]
وكثيرا ما يرى الإنسان صورة اعتقاده فيكون ما يحصل له بمكاشفته ومشاهدته هو ما اعتقده من الضلال، حتى إن النصراني يرى في كشفه التثليث الذي اعتقده، وليس أحد من الخلق معصوما أن يقر على خطأ إلا الأنبياء، فمن أين يحصل لغير الأنبياء نور إلهي تدرك به حقائق الغيب وينكشف له أسرار هذه الأمور على ما هي عليه، بحيث يصير بنفسه مدركا لصفات الرب وملائكته، وما أعده الله في الجنة والنار لأوليائه وأعدائه؟
وهذا الكلام أصله من مادة المتفلسفة والقرامطة الباطنية الذين يجعلون النبوة فيضا يفيض من العقل الفعال على نفس النبي، ويجعلون ما يقع في نفسه من الصور هي ملائكة الله، وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله، ولهذا يجعلون النبوة مكتسبة، فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما فاض على نفوس الأنبياء، وعندهم هذا الكلام باطل باتفاق المسلمين واليهود والنصارى.
(1) رواه أحمد (2/ 269) ، البخاري (12/ 500/7017) ، مسلم (4/ 1773/2263 [6] ، أبو داود(5/ 282 - 283/ 5019) ، الترمذي (4/ 461/2270) وابن ماجه (2/ 1285/3906) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي الباب عن عوف بن مالك رضي الله عنه.