فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 395

فإن قيل، ففي قراءة ابن عباس {ولا محدث} قيل هذه القراءة ليست متواترة ولا معلومة الصحة، ولا يجوز الاحتجاج بها في أصول الدين، وإن كانت صحيحة، فالمعنى أن المحدث كان فيمن كان قبلنا وكانوا يحتاجون إليه، وكان ينسخ ما يلقيه الشيطان إليه كذلك، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى غير محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا كانت الأمم قبلنا لا يكفيهم نبي واحد بل يحيلهم هذا النبي في بعض الأمور على النبي الآخر وكانوا يحتاجون إلى عدد من الأنبياء ويحتاجون إلى المحدث، وأمة محمد أغناهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم عن غيره من الأنبياء والرسل، فكيف لا يغنيهم عن المحدث ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر" [1] فعلق ذلك ب"إِنْ"ولا يجزم به لأنه علم استغناء أمته عن محدث كما استغنت عن غيره من الأنبياء، سواء كان فيها محدث أولا، وكان ذلك لكمالها برسولها الذي هو أكمل الرسل وأجملهم، وهؤلاء كبعض في أمته عن الأمم قبلهم.

وقد وقع في كلام أبي حامد وغيره نحو من هذا في مواضع أخر حتى ذكر فيما يتأول وما لا يتأول أن ذلك لا يعلم إلا بتوفيق إلهي يشاهد به الحقائق على ما هي عليه، ثم ينظر في السمع والألفاظ الواردة فيه، فما وافق مشهوده أقره وما خالفه تأوله، وذكر في موضع آخر أن الواحد من الأولياء قد يسمع كلام الله سبحانه كما سمعه موسى بن عمران وأمثال هذه الأمور، ولهذا تبين له في آخر عمره أن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور مما أنكره الناس عليه حتى قال المازري وغيره ما معناه: إن كلامه يؤثر في الإيمان بالنبوة فينقص قدرها أو نحو هذا، وكذلك ما ذكره من أن النبوة انفتاح قوة أخرى فوق العقل.

(1) تقدم تخريجه (ص.57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت