ولا بأس من أن أسوق للقراء مثالا لصعوبة الأمر، على بعض من ينتمي للفقه فضلا عن غيرهم، فهناك حديث أنس الصحيح:"لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك". رواه الترمذي [1] وغيره، فاستدل به الشيخ علي القاري في 'شرح الشمائل' [2] على أن القيام المتعارف اليوم ليس من السنة، ونقل عن ابن حجر يعني الهيثمي ما ينافي ذلك واستغربه، ثم قال:"وأما قول ابن حجر: ويؤيد مذهبنا من ندب القيام لكل قادم به فضيلة، نحو نسب أو علم أو صلاح أو صداقة حديث أنه صلى الله عليه وسلم قام لعكرمة بن أبي جهل لما قدم عليه، [3] ولعدي بن حاتم كلما دخل عليه، [4] وضعفهما لا يمنع الاستدلال بهما هنا خلافا لمن وهم فيه، لأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا بل إجماعا كما قال النووي"فمدفوع، لأن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال المعروفة في الكتاب والسنة، لكن لا يستدل به على إثبات الخصلة المستحبة).
فتأمل كيف خطأ الشيخ القاري الهيتمي، وهو من كبار فقهاء الشافعية المتأخرين في تطبيق القاعدة المذكورة، فما عسى أن يكون حال عامة الناس في ذلك؟ ومن شاء المزيد من الأمثلة فليراجع كتابي 'سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة' يجد العجب العجاب منها، فانظر مثلا الأحاديث (372،609،872،922،928،944) . [5]
(1) 5/ 84/2754) وقال:"حسن صحيح غريب من هذا الوجه". ورواه أحمد (3/ 132) والبخاري في الأدب المفرد (946) .
(3) رواه الحاكم (3/ 241) وحذفه الذهبي من التلخيص لضعفه. وفيه محمد بن عمر الواقدي.
(4) رواه الترمذي (5/ 186 - 187/ 2953) وقال:"حديث حسن غريب". ورواه أحمد (4/ 378 - 379) وابن حبان (16/ 183 - 184/ 7206 الإحسان) دون ذكر موضع الشاهد.
(5) مقدمة صحيح الترغيب (1/ 47 - 67) .