جـ/ أقول:- الأصل أن المحادة ممنوعة من كل زينة, وامتناعها من الزينة حال إحدادها نوع عبادة وقربه تتقرب بها إلى ربها جل وعلا فلا يجوز لها الإخلال بذلك ما دامت قادرة عليه, ومن الزينة التي قد نهيت عنها بخصوصها الكحل ففي الصحيحين من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت:- جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت:- يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال (( لا ) )مرتين أو ثلاثًا, كل ذلك يقول (( لا ) )وهذا نص صحيح صريح قاطع في أن المحادة يجب عليها اجتناب الكحل الاجتناب المطلق, حتى وإن احتاجت إليه للعلاج فإنها لا يجوز لها ذلك, هذا هو الأصل إلا أنها إذا اضطرت لوضع الكحل للتداوي ولم تجد ما تتداوى به غيره وقرر الأطباء أنه لا علاج لها من هذا الوجع الخاص إلا بوضع الكحل فيجوز لها حينئذٍ في هذه الحالة الاضطرارية أن تضع منه المقدار الذي يندفع به ضررها فقط ذلك لأن الضرورات تبيح المحظورات, ولأن الضرورة تقدر بقدرها, ولأنه لا ضرر ولا ضرار ولأن الضرر يزال ولأنه إذا تعارض مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما ولأن الحرج مرفوع عنا في هذه الشريعة ولأن هذا الدين يسر ومنع النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتحال هذه البنت المحادة محمول على أنها لم تصل إلى حالة الاضطرار, وبأنه لم يتعين الكحل لعلاج هذا الوجع الذي تشتكي منه في عينها, ولعموم قوله تعالى {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} إلا أننا نستبعد في هذه الأزمنة ومع تقدم الطب وتنوع الأدوية أن تضطر المرأة المحادة إلى عين المعالجة بالاكتحال, فإن الأدوية والعلاجات الخاصة بأمراض العين كثيرة مشهورة وفي متناول الجميع وبلا ثمن في غالب المرافق الصحية الحكومية لكن لو حلت حالة الاضطرار ولم يوجد ما يندفع به إلا الاكتحال فيجوز لها منه ما تندفع به ضرورتها فقط, وإن استطاعت أن لا تجعله إلا في الليل وتمسحه بالنهار فهذا