فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 295

الثاني:- أنه لما وقف موسى عليه السلام وقومه على سيف البحر وفرعون وقومه وراءهم {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون, قال كلا إن معي ربي سيهدين, فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرقٍ كالطود العظيم} ففي هذا الوقت الحرج العصيب يؤمر موسى أن يضرب البحر والله قادر القدرة المطلقة على فلق البحر بلا ذلك الضرب, ولكن هذا من باب أهمية الأخذ بالسبب, وهذا مثالان فقط وإلا فالأدلة الشرعية على الأخذ بالأسباب كثيرة جدًا وقد تكلمنا عن الأسباب وقواعدها في إتحاف أهل الألباب في العقيدة. والمقصود هنا:- أن الأخذ بالأسباب من كمال التوكل, ولذلك قال السلف:- الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد, وترك التوكل بالكلية قدح في الشرع, والأخذ بها مع كمال الاعتماد على الله تعالى هو حقيقة الشرع, وبناءً عليه فالتداوي والذهاب إلى الأطباء من باب الأخذ بالأسباب وهو من التوكل, لكن مع كمال اعتماد القلب على الله تعالى, واعتقاد أن هذا الطبيب المعالج إنما هو سبب سخره الله تعالى, فتعاطي الأسباب من علاج المرض وطلب الرزق وغير ذلك لا ينافي القدر لأن الله سبحانه قدر الأقدار وأمر بالأسباب وكل ميسر لما خلق له, ولذلك فإن التداوي بالأدوية المباحة من قدر الله تعالى, والقدر يدافع بالقدر فإن قدر الجوع يدفع بقدر الأكل, وقدر الظمأ يدفع بقدر الشرب, وقدر الحروب يدفع بالاستعداد لها, وقدر الفقر والحاجة يدفع بقدر السعي في طلب الرزق الحلال, وقدر البطالة يدفع بقدر البحث عن العمل, ومن ذلك أيضًا قدر المرض فإنه يدفع بقدر التداوي وطلب الشفاء, وذلك كما قال عمر - رضي الله عنه - في عام الطاعون (( نفر من قدر الله إلى قدر الله ) )والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت