"قال المصنف (أى البيضاوي) : وهو إخبار في معنى الإنكار" [1] . أى أن قصدهم ليس إفادة الحكم ولا لازمه، وهو إفادة كونهم عالمين بالحكم لكونهما معلومين بل قصدهم الإنكار إما مجازًا بقرينة ما بعده (لولا يأتون .... الخ) أو إنشاء لذلك الإنكار مثل قولها"إنى وضعتها أنثى"فإنه خبر لفظًا والمراد إنشاء التحسر، وكذا فيما نحن فيه خبر لفظًا والمراد إنشاء الإنكار بمعونة المقام" [2] ."
وما ذكره القونوي من أن الخبر في الآية في اللفظ والمراد إنشاء الإنكار يتفق مع ما أشار إليه البلاغيون من أن الخبر قد يقع موقع الإنشاء كما يقع الإنشاء موقع الخبر لأغراض بلاغية [3] .
ومجئ الإنشاء في لفظ الخبر لا يعنى أن المسألة مسألة لفظ، وأن الإنشاء بقى كما لو كان في لفظ الإنشاء .... الأمر أدق من هذا لأن الذي يحدث تغيير في الحس بالمعنى والشعور به، وعند التأمل نجد أن الحقيقة المعنوية والنفسية المعبر عنها بلفظ الإنشاء غير الحقيقة المعنوية والنفسية المعبر عنها بلفظ الخبر ... فقولك"ارحم اللهم زيدًا".... دعاء منك بالرحمة وقولك:"رحم الله زيدًا"دعاء منك بالرحمة أيضا، ولكن الرغبة هنا أكثر إلحاحًا وأشد تعلقًا بالنفس، وكأنها لقوة إحاطتها بالقلب أوهمت أنها قد وقعت، وأن الله قد ناله برحمته، وأنت تخبر عن هذه الحالة، قال البلاغيون في هذا: إن النفس إذا عظمت رغبتها في شئ تخيلت غير الواقع واقعًا، وبنت الكلام على هذا التخيل وأجرته على نسجه ...." [4] ."
ويقول في قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} [5] .
(1) ينظر تفسير البيضاوى 3/ 361.
(2) ينظر حاشية القونوى 9/ 12.
(3) ينظر الإيضاح 2/ 52، 53.
(4) ينظر دلالات التراكيب ص 226، 227، باختصار وتصرف يسير.
(5) الآية (117) من سورة الشعراء.