جهوده في هذا المبحث من علم المعاني، وما أضافه إلى ميدان البحث البلاغي، ومنهجه في الكشف عن أسرار النظم القرآنى [1] .
أشار الإمام القونوي إلى الالتفات في مواضع كثيرة من حاشيته وهو يتفق مع البلاغيين في تعريفه ووجه حسنه، ولقد عنى في حاشيته ببحثه عناية كبيرة، وأشار إلى مواضع لم يسبق إليها، وقلما لا يذكر وجه حسن الالتفات في موضع من المواضع بل غالبًا بعد أن يذكر صورة الالتفات يتبعها بذكر وجه حسنه وسر بلاغته.
فعن الالتفات من الخطاب إلى الغيبة يقول في قوله تعالى في شان بنى إسرائيل:
{ ... . أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ... .} [2] .
"فى قوله"وضربت عليهم الذلة والمسكنة"الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة تبعيدًا لهم عن عز الخطاب وإن أمكن حمله على العتاب كما في قوله"فإن لكم ما سألتهم"مع أن اهبطوا يقتضيه" [3] .
وفى قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} [4] .
"فى قوله"فمن الناس"الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة حطًا لطالب الدنيا عن عز الحضور انتهى [5] . فالالتفات على هذا التخريج ظاهر، لأن المراد في الخطاب والغيبة"
(1) ينظر بعض هذه المواضع من حاشيته 6/ 239، 259، 274، 7/ 54، 73، 118، 119، 290، 8/ 10، 21، 218، 8/ 230، 258، 270، 278، 9/ 167، 263، 287، 10/ 7، 14، 28، 38، 40، 62، 88، 105، 143، 10/ 320، 325، 348، 11/ 14، 18، 72، 127، 258، 331، 347، 379، 385، 404، 12/ 6، 17، 12/ 28، 44، 69، 86، 99، 113، 146، 224، 13/ 67، 146، 241، 14/ 80، 120، 171.
(2) من الآية (61) من سورة البقرة.
(3) ينظر حاشية القونوى 3/ 103.
(4) الآية (200) من سورة البقرة.
(5) وهذا ما اختاره أبو حيان ينظر البحر المحيط 2/ 112 ط دار الكتب العلمية.