وعن التلوين في قوله تعالى خطابًا لداود عليه السلام وأهله: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [1] .
"قوله (اعملوا) أى دوموا على الأعمال الصالحات شكرًا لهذه النعم السابغات .. وفيه تلوين الخطاب، وسره أن الأول فعل خاص به فخص الخطاب له عليه السلام، والثانى عام له ولأهله فعم الخطاب ولا يبعد أن يقال إن الضمير لداود للتعظيم" [2] .
ومما يتصل يبحثى الالتفات، والتلوين بحثا التفنن والأسلوب، ولقد بذل الإمام القونوي فيهما جهدًا يستحق البحث والدراسة؛ لأن عنايته بهذه الألوان البلاغية تدل على رسوخ قدمه وفهمه لنظرية النظم، كما تدل على إدراكه ما وراء الأساليب القرآنية من أسرار بلاغية فجل بحثه لهذه الفنون والألوان بحث تطبيقى ترجع أصوله إلى مدرسة الإمام عبد القاهر صاحب نظرية النظم، والإمام الزمخشري صاحب الكشاف!
أولى الإمام القونوي بحث التفنن عناية كبيرة، وأشار إلى كثير من مواضعه في القرآن الكريم مبينًا ما ينطوى عليه من أسرار بلاغية تتصل بنظم القرآن، فأشار إلى تعريفه، ومناسبته للمقام، وكونه شعبة من شعب البلاغة فعن تعريف التفنن يقول في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [3] . بعد أن نقل قول البيضاوي:"ومن عادة العرب التفنن في الكلام .." [4] . عقب عليه بقوله:"التفنن: إى إيراد الكلام بالأفانين أى الأساليب. يقال: تفنن الرجل في حديثة إذا جاء بالأفانين أى الأساليب: أى التفنن بالإظهار، والإضمار باستعمال كل منهما في الموضع الآخر، وبالموصولات، وأسماء الإشارات، والإخبارية، والإنشائية،"
(1) الآية (11) من سورة سبأ.
(2) ينظر حاشية القونوى 11/ 174.
(3) الآية (5) من سورة الفاتحة.
(4) ينظر أنوار التنزيل 1/ 41.