فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 681

"هنا سؤال مقدر بأنه لم تركوا التأكيد فيما ألقى على المؤمنين المنكرين أحوالهم أو المترددين مع أن التأكيد واجب أو حسن كتأكيدهم في الإخبار مع شياطينهم، فإن شياطينهم أيضا منكرون أو مترددون في شأنهم قال الله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ .... } [1] ."

فاللايق التسوية في التأكيد؟ فأجاب [2] أولًا (بأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان) أى دعوى إحداثه بالإخلاص، وإلا فأصل دعوى الإحداث ثابتة قبل لقاء المؤمنين فأوردوا الجملة الفعلية لدلالتها على الحدوث الذي هو مطلوبهم، وتركوا التأكيد ولم ينظروا إلى إنكارهم أو ترددهم بأدنى تأمل كما بين هكذا في فن البلاغة في مثل هذا الإنكار لكن هنا مبنى على الزعم، وأما خطابهم شياطينهم فقصدوا فيه إلى إفادة ثبات ما كانوا عليه مع أنهم منكرون ذلك كإحداث الإيمان باللسان، فأكدوا بإيراد الجملة الاسمية مع حرف التحقيق دفعًا لما خطر ببالهم من مخالطة المسلمين، والموافقة في أحكام المخلصين وتركهم اليهودية باطنًا كما تركوها ظاهرًا، فأوردوا تلك الجملة دفعًا لذلك .. والتأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والتردد يكون لصدق الرغبة، وفرط النشاط والمحبة كقول الداعى: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا الآية} [3] . وترك التأكيد قد يكون لعدم الرغبة والرواج، ولما لم يكن صدق رغبة لهم فيما ألقوا للمؤمنين لم يؤكدوا الجملة الأولى، ولما كان لهم فرط رغبة فيما خاطبوا به شياطينهم أكدت الجملة الثانية وقيل إنهم: لو قالوا: إنا مؤمنون إيهامًا بدعوى الإيمان، وهو أمر لا يروج عند المؤمنين المخلصين لكمال فراستهم، وحدة ذكائهم تركوا

(1) من الآية (143) من سورة النساء.

(2) أى الإمام البيضاوى ينظر تفسيره 1/ 87

(3) من الآية (16) من سورة آل عمران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت