العذاب الشديد ليس في المؤكد؛ إذ الإلقاء في جهنم لا يفهم منه العذاب الشديد فإن عذابه متفاوت على حسب شدة كفرهم ..." [1] ."
ومن خلال ما سبق يتضح أن الإمام القونوي يتفق مع البلاغيين في جواز عطف التأكيدين على بعضهما طالما أن هناك تغايرًا بينهما وزيادة في المعنى على المؤكد، وبهذا يحصل التوفيق بين كلام النحاة والبلاغيين أما عطف المؤكد على المؤكد الذي ليس فيه زيادة في المعنى أو تغاير في الصفة فممتنع لما فيه من عطف الشئ على نفسه بلا فائدة يقتضيها المقام أو يتطلبها السياق!! وهذا بخلاف التأكيد اللفظى الذي هو تقرير للمعنى الأول بلفظه أو مرادفه؛ لأن وراءه زيادة في المعنى أو تغايرًا في الصفة أو أن المقام نفسه يتطلب التكرار في التأكيد لأهمية الكلام المؤكد أو لتعظيم شأنه أو للعناية به أو للتنبيه على منزلته أو غير ذلك من نكت التوكيد وأسراره التي لا تنحصر، وتختلف باختلاف المقام فضلًا عن أن التأكيد والتكرار في لسان العرب معدودان في الفصاحة والبراعة يقول ابن قتيبة:"فقد أعلمتك أن القرآن نزل بلسان القوم وعلى مذاهبهم ومن مذاهبهم التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز" [2] . ويقول الثعلبى في التكرير والإعادة"هى من سنن العرب في إظهار العناية بالأمر كقوله تعالى: {فبأى آلاء ربكما تكذبان} وفى الإشباع والتأكيد العرب تقول عشرة وعشرة فتلك عشرون كاملة" [3] . وجهد القونوي في الموضع الأخير يتمثل في توضيح نقاط الاتفاق والاختلاف بين النحاة والبلاغيين.
ومن خلال ما سبق يتضح أن الإمام القونوي يتفق مع البلاغيين حول أسرار التأكيد كما يتفق معهم في الفرق بين أدوات التأكيد وأثر كل أداة ومعناها، وقد سبق ما ذكره حول الفرق بين إن، واللام وحروف الصلة، فإن واللام وضعتا ابتداءً لخصوص معنى التأكيد، وحروف الصلة وضعت لتذكر مع غيرها فتفيد له وثاقة وقوة، كما أشار إلى القسم وأهميته في التأكيد، وأن جملة القسم لابد لها من جواب حتى وإن كان محذوفًا في الكلام، ويشير
(1) ينظر حاشية القونوى 13/ 11، 12 باختصار.
(2) ينظر تأويل مشكل القرآن ص 235.
(3) ينظر فقه اللغة ص 262، ط دار ابن خلدون، والمزهر للسيوطى 1/ 332 ط دار التراث ط ثالثة.