فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
يتفق الإمام القونوي مع البلاغيين فيما يتعلق بضربى الأسلوب الحكيم ويرى أن وراءهما أضربًا أخرى لم تذكر في كتب المعاني لعدم شهرتها وقلة وقوعها يقول في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ البِرُّ بِأَن تَاتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَاتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [1]
"اختار النحرير في المطول أنهم سألوا عن السبب [2] لكن صاحب الكشاف والمصنف اختارا أنه سؤال عن الحكمة [3] فيكون الجواب حينئذ إخراجا للكلام على مقتضى الظاهر. وأما السكاكي ومن تبعه من الخطيب وغيره فقد اختاروا أنه سؤال عن السبب [4] لما أن الحكمة ظاهرة لا ينبغي السؤال عنها فيكون الجواب من أسلوب الحكيم: وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيهًا على أنه الأولى بحاله ... ويحتمل أنهم سألوا عما لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما يعنيهم ويختص بعلم النبوة عقب بذكره جواب ما سألوا تنبيهًا على أنه اللائق بهم أن يسألوا أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها [5] وهذا من باب أسلوب الحكيم لكن لا على الوجه الذي بين في كتب المعاني لأن المصنف لم يرض ذلك، بل أشير فيه إلى أن اللايق بحالهم أن يتركوا السؤال عن الأهلة رأسا وأن يشتغلوا بالسؤال عن جواز أفعالهم وعدم جوازها لأن النبي عليه السلام إنما بعث لبيان الحل والحرمة والجواز وعدم الجواز لا لبيان ماهيات الأشياء وأسبابها وحكمها، وهذا الجواب جيد إن لم يكن الجواب عن السؤال الأول مذكورا إلا أن يقال: إن هذا باب آخر من أسلوب الحكيم يعرفه من له ذوق سليم ولعدم شهرته وقلة وقوعه لم يذكر في كتب المعاني ..." [6]
والإمام القونوي هنا يرى ما ذهب إليه المصنف من أنه سؤال عن الحكمة وجه قوي، ولكنه لا يمنع من الوجه الذي ذكره البلاغيون من انه سؤال عن السبب، ويرى أن حمله على الأسلوب الحكيم يعرفه من له ذوق سليم، وهذا الوجه الذي أشار إليه كما ذكر لم يذكر في كتب المعاني. ويبدو لي أن هذه التوجيهات لا يأباها النظم القرآني وإن كان الأولى حمل الآية على الوجه المشهور من الأسلوب الحكيم عند أئمة المعاني فهو الأنسب للسياق، وسبب نزول الآية حيث روى أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غلبة الأنصارى قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى ثم لا
(1) الآية (189) من سورة البقرة
(2) ينظر المطول ص 136
(3) ينظر الكشاف 1/ 261، وأنوار التنزيل 1/ 273
(4) ينظر الإيضاح 1/ 120، 121
(5) ينظر أنوار التنزيل 1/ 273
(6) ينظر حاشية القونوي 4/ 40، 41