ومما تجدر الإشارة إليه أن هاتين الجمليتن وإن كان الفصل بينهما لكمال الانقطاع كما ذكر القونوي متابعة لصاحب المفتاح والبلاغيين، فإن ثمة جامعًا بين الكلام ذكرت الواو أم لم تذكر، ولقد أشار إلى هذا الجامع السيد الشريف في حاشيته على المطول فقال:"الجملتان إذا لم يعطف إحداهما على الأخرى فهم اجتماع مضمونيهما في الحصول بدلالة العقل ضرورة أن الأمور الواقعة في نفس الأمر تكون مجتمعة فيها، وربما لا تكون هذه مقصودة للمتكلم، وإذا عطفت بالواو فقد دل على الاجتماع بدلالة لفظية مقبولة ...." [1] .
هذا ولقد أشار صاحب الكشاف إلى كمال الانقطاع في هذه الآية كما سبق [2] .
كما أشار إليه السيوطى مبينًا أن هذه الآية يربطها بما قبلها التضاد وهو من القرائن المعنوية التي تؤذن بالربط [3] . وهذه الآية رأس شواهد هذا الضرب في كتب البلاغة [4] .
ويقول القونوي في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [5] .
قوله (إن الذين كفروا) لما ذكر عباده المخلصين بأوصافهم وحسن مساعيهم عقبهم بأضدادهم المردة وسوء العاقبة، ولم يعطف لتباينهما في الغرض، فإن الغرض من القصة الأولى بيان شرح الكتاب وشرف شأنه، والغرض من القصة الثانية بيان تمردهم وانهماكهم في الطغيان [6] .
وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [7] .
"هذه الجملة مسوقة لبيان قوله (لا حجة) [8] . أى لا حجاج، إذا الحق ظهر بإنزال الكتب، كما أن الجملة الأولى سبقت لبيان مكابرتهم بعد ظهور الحق، قدمت أولًا لمبادرته إلى"
(1) ينظر حاشية السيد على المطول ص 250
(2) ينظر الكشاف 1/ 86
(3) ينظر الإتقان 3/ 290، 291
(4) ينظر دلالات التراكيب ص 335
(5) الآية (116) من سورة آل عمران
(6) ينظر حاشية القونوى 5/ 105، 106
(7) الآية (17) من سورة الشورى
(8) أى قوله تعالى {لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} الآية (15)