ومن خلال ما سبق يتضح أن الإمام القونوي يتفق مع البلاغيين في أن ذكر الخاص بعد العام يكون للتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنسه وأن الأولى أن يسمى هذا القسم من الإطناب بعطف الخاص على العام وعكسه كما ذهب إليه صاحب لمطول. وفيما يتصل بالناحية التحليلية يلاحظ حرصه على إبراز أثر هذا النوع من الإطناب في النظم القرآنى من خلال ما ذكر من أغراض في كل موضع، وهو حريص على أن يُسمى هذه الأغراض والأسرار في كثير من المواضع بالنكت، والنكتة كما عرفها هو في حاشيته"مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر، وإمعان فكر من نكت الريح في الأرض إذا أثر فيها، وسميت المسألة الدقيقة بها لتأثر الخواطر في استنباطها " [1] .
فوراء عطف الخاص على العام أسرار يقتضيها المقام، ويدعو إليها الحال، كما أشار إلى عطف العام على الخاص وبين ما ينطوى عليه من أسرار بلاغية، ويلاحظ حرصه على إظهار الفرق بين التقديم والتأخير في الآيات المتشابهة، والمشتملة على عطف العام على الخاص كما مر في تفسير الآية (34) في سورة طه حيث ذكر أن التقديم هناك في عطف العام على الخاص لمناسبة المقام والسياق، وكذلك هنا، ويلاحظ أنه يحرص على الاختصار في بيان أسرار عطف الخاص على العام، وعكسه في كثير من المواضع، وكما سبق أن القونوي في هذا البحث من الإطناب سار على منهج البلاغيين - فيما يتعلق بالناحية التحليلية - في كثير من المواضع بحيث يذكر أن في الآية عطف خاص على عام أو العكس دون أن يحدد أثره في النظم القرآنى، ومدى مناسبته للمقام.
وبحثه هنا أيضًا من الناحية التطبيقية لم يضف إلا القليل منه ما ذكره حول قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا* إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}
(1) ينظر حاشية القونوى 1/ 51.