فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 681

"تكرار الجار يدل على كمال العناية، إذ تكراره ينبئ بعدم تبعية غيره، ووقوع الفعل عليه بنفسه لا بتبعية غيره كالمعطوف عليه، ولو لوحظ التبعية لاكتفى بالجار الذي هو في المعطوف عليه، وكمال العناية بتعلق الختم بكل منهما يقتضى الشدة، وبهذا ظهر وجه إفادة التكرار الاستقلال المذكور، لأن تكرار الجار يدل على انفراد كل بارتباط الفعل به قصدًا، فيدل على استقلال كل ما بحكم" [1] . وكلام القونوي حول الغرض من تكرار الجار في الآية كلام دقيق بين من خلاله أن التكرار لبيان استقلال كل منهما بالختم مما يقتضى الشدة، ولو لوحظ التبعية لاكتفى بالجار الذي هو في المعطوف عليه ولكن في صورة التبعية لا يفيد التكرار الشدة التي جاءت عليها الآية باستقلال كل مذكور بالختم ... والذى أفاد هذا المعنى هو تكرار الجار في الآية، ولذلك"فرق النحاة بين مررت بزيد وعمرو، وبين مررت بزيد وبعمرو بأن في الأول مرورًا واحدًا، وفى الثانى مرورين، والعطف وإن كان في قوة إعادة العامل ليس ظاهرًا؛ إذا التقدير ليس كالتصريح" [2] .

ويقول في قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [3] ."كرر الأمر بالهبوط لتأكيد مقتضى الأمر ووجوبه، فالتكرار في المحكى لا في الحكاية فقط، وإنما قدم على هذا التأكيد (فتلقى آدم) [4] الآية للاهتمام بصلاح حاله بعد امتثال أمره بالهبوط والإخبار بقبول توبته، ولإزاحة ما عسى أن يتقوى به ما تشبث به الملائكة بأن آدم عليه السلام تجاوز عن هفوته وذلته، والقبح في إصرار الذلة والمعصية، وأما التوبة النصوح بعد صدور الذلة والخطيئة فهى ممدوحة. قال تعالى: { ... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [5] فانظر كيف قدم التوابين فالحمد لله رب العالمين على أن التقديم في تكرار الحكاية لا في تكرير"

(1) ينظر حاشية القونوى 1/ 273، 274.

(2) ينظر حاشية ابن التمجيد 1/ 273.

(3) الآيات من (36 - 38) من سورة البقرة.

(4) من الآية (37) من سورة البقرة.

(5) من الآية (222) من سورة التوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت