ولقد عقب عليه السعد في حواشيه بقوله:"يريد أن ترك النظر عند قرينة مانعة عن إرادة معناه الحقيقى يكون مجازًا عن الاستهانة والسخط كما أن النظر يكون مجازًا عن الإكرام والإحسان لكون النظر من لوازم الإحسان وتركه من لوازم الإهانة" [1]
ثم فرق سعد الدين بين استعمال النظر نفيًا وإثباتًا في حق من يجوز عليه النظر أى تقليب الحدقة كالإنسان، واستعماله في حق من لا يجوز عليه كالبارى وإن كان بصيرًا بمعنى أن له صفة البصر بأنه إذا استعمل فيمن يجوز عليه النظر وأريد الإحسان والإكرام فهو كناية حيث جازت إرادة المعنى الحقيقى، بل ربما أريد لكن لا ليكون مناط الإثبات والنفى، والصدق والكذب، والأمر والنهى ونحوها، بل لينتقل منه إلى معنى آخر، وإذا استعمل فيمن لا يجوز عليه النظر فهو مجاز لا غير، لأن إرادة المعنى الحقيقى أو جواز إرادته شرط للكناية، وههنا العلم بامتناع النظر قرينة مانعة عن إرادته ..
وفى كلامه إشارة إلى أنه عند الكناية قد يتحقق المعنى الحقيقى ويراد لا قصدًا إليه، وقد لا يتحقق أصلًا وإن جاز.
وما ذكره هنا يشكل بما ذكره في قوله تعالى: { ... بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ... } [2] وقوله: { ... وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ... } [3] وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [4] ونحو ذلك أنها كلها كنايات مع امتناع المعنى الحقيقى قطعًا، وعليه ففى كلام السعد تناقض! [5]
ولقد عقب الشهاب الخفاجى على السعد بقوله:"أقول ما ذكره من التناقض سبقه إليه غيره من الشراح، وأشار المحقق [6] في الكشف إلى أنه لا تناقض فيه حيث قال بعد سوق كلامه [7] :"إنه تصريح بأن الكناية يعتبر فيها صلوح إرادة الحقيقة وإن لم ترد، وأن الكنايات قد تشتهر حتى با تبقى تلك الجهة ملحوظة، وحينئذ يلحقن بالمجاز ولا تجعل
(1) ينظر حاشية الأنبانى على الرسالة البيانية ص 105.
(2) من الآية (64) من سورة المائدة.
(3) من الآية (67) من سورة الزمر.
(4) الآية (5) من سورة طه.
(5) ينظر حاشية الأنبانى ص 105.
(6) وهو شرف الدين الطيبى ت (743) وحاشيته على الكشاف"فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب."
(7) أى كلام صاحب الكشاف.